جريمة العاشقة!- محمد غازي الاخرس

اليوم طالعني خبرٌ مزعجٌ في أحد المواقع الألكترونية؛ فتاة في الناصرية تسكب على زوجها البنزين وهو نائم ثم تشعل فيه النار وتقتله، والسبب أنه اتصل بعشيقته تلفونيا. هي زوجة مجرمة بالتأكيد، أعمت الغيرة قلبها وعقلها، فأقدمت على قتل شاب يفترض أنه حبيبها. لعلها فقدت أعصابها في لحظة أو ربَّما كانت تتوفر، في الأساس، على روح إجرامية كامنة. الحال إنَّه لا أحد يستطيع الجزم في تفسير لحظة الجنون هذه، خصوصاً أن الزوجين حديثا عهد ببعضهما البعض، ولم يمضِ على اقترانهما سوى سنتين
فقط.
نعم، قد تكون الغيرة ملحُ العلاقة بين العاشقين والزوجين، فترى العاشق يفرح بغيرة محبوبته عليه أو العكس. بل لعل أحدهما يتقصد أحيانا إثارة محبوبه ليلتذَّ بالشعور المنعش، أي أن يكون موضع غيرته ومدار صراعاته السيكولوجية، وهذه الأخيرة تتركز حول مفهوم التملك الذي يرتبط بالمحبِّين لدرجة أنَّهم يتمنون لو كان بمستطاعهم حبس بعضهم بعضا في قوارير كي لا يراهم أحد. كل هذا مفهوم، وهو ما يعطي الحب بعض مباهجه، لكن أن يصل الامر إلى  القتل الجسدي، سواء قتل المعشوق أو قتل من يجرؤ على احتلال حيّز في قلب ذلك المعشوق، فهذا يعني وصول المرء إلى ذروة الشعور بالتملك، الذروة التي لا يحتمل معها أي إمكانية لمشاركة الآخرين له في حيازته. يصبح المعشوق ملكا شخصيا يحرم على الآخرين التقرب إليه، سواء برضا ذلك المعشوق أم بغير
رضاه.
التراث العربي والمحلي “يغص ويبلع” بما يدور حول هذه الثيمة، أي وصول أحدهم إلى مرحلة جنون يقرر فيها قتل حبيبته أو زوجته، إمّا غيرة عليها، أو منعا للآخرين من مسّها من بعده. وأشهر قصة تروى بهذا الصدد قتل الشاعر ديك الجن لجارية (ورد) بسبب غيرته عليها أو شكِّه فيها حسب بعض الروايات. كان ذلك الشاعر قد قتلها ثمَّ برضا قائلاً ـ يا مهجة برك الحمام
عليها .. وجنى لها ثمر الردى بيديها..رويّت من دمها الثراء وطالما ..روى الهوا شفتيّ من شفتيها..قد بات سيفي في مجال وشاحها..ومدامعي تجري على خديها..
فوحق نعليها فما وطئ الثرى..شيء أعزّ عليَّ من نعليها .. ما كان قتليها بأنِّي لم أكن ..أبكي إذا وقع الذباب عليها..لكن نفست عن العيون بنظرة ..وأنفت من نظر الحسود إليها!
الأبيات الرائعة هذه تنسب أيضا للسليك بن مجمع، حسب ما يروي الأصبهاني، مع قصة تناسبها تفيد  أن السليك كان من الفرسان المعدودين، وله ثارات مع قبائل كثيرة تطلبه.
ومن غريب شأنه أنَّه تزوَّج ابنة عم له يهواها وبقي معها في مضارب أعمامه أياما، ثم حملها وسار بها يريد أهله. وفي الطريق أحاط به طالبوه، وكانوا ثلاثين من بني فزارة، ولما أدرك أنَّه هالكٌ لا محالة، قاتلهم حتى أثخنته الجراح، ثم التفت لابنة عمه وقال لها ـ ما أسمح بك لهؤلاء وأحب أن أقدمك قبلي، فقالت ـ أفعل ولو لم تفعل فعلته أنا. فضربها بالسيف وأنشأ يقول ـ يا طلعة طلع الحمام عليها ..ألخ.
على أن الأغرب من هاتين القصتين ما رواه أحد الرحالة البريطانيين عن قصة حب عجيبة جرت فصولها في الأهوار وانتهت لمثل ما انتهت إليه حكاية السليك بن مجمع. وهو ما سأرويه لكم ذات يوم، فانتظروني جنبكم الله جنون الحب وقراراته المتهورة!   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.