حول قرار حل أصحاب القبعات الزرق ..!- جاسم المطير

اقول ، اولاً ، بحرص شديد، ان من الصعب جداً معرفة أصول و أسباب تمرد السيد مقتدى الصدر على نفسه في الكثير من قراراته ، بما فيها قرارات تحتوي على خيرٍ حساسٍ او جوهري حزين ، لكنه جماعي، تتساوى منافعها مع إيمانه بحب الله أو، على الأقل ، يتضمن تحفظات على انتهاك ما، مما يلزم ضميره ان يكون متحفظاً بطريقةٍ معينة او غريبة او مفاجئة .
عن المفاجأة الجديدة ، أبدا مقالتي حول قرار حل جماعة ( القبعات الزرق) ، الذي حمل ، خلال الأشهر الأربعة الماضية إساءة مباشرة ، إلى الشبان المنتفضين السلميين أو غير مباشرة الى حقوق الله ، التي يدّعي السيد مقتدى تمسكه بالدفاع عنها ..!
لا ادري و لا أظن ان احداً يدري : من أين يستمد السيد مقتدى الصدر قراراته . هل تجيء اليه من تأملات صوفية خاصة، أم من تجارب باطنية . ام هل يستخلصها من اخرين ..؟
المحتمل انه يعتقد بأن قراراته يمكن لها أن تسدّ فراغاً معيناً ، تمّ حفره ، خلال الشهور الأربعة الماضية بين مبادئ المنتفضين السلميين و خصومهم العنيفين في الدولة العراقية . بالجوهر الحق أتمكن القول ان خصوم الانتفاضة من أحزاب الإسلام السياسي هم اقرب الى التنظيم الصدري من المنتفضين ، الاستثنائيين في انتفاضتهم ، من وجهة النظر الصدرية .
امس انشغلت الدنيا العراقية ، أفراداً و جماعات ، بقرار قد يكون موغل في الكوامن و النزوات الانقلابية في الشخصية الصدرية ذاتها أو ربما وجدَ مقامه مستسلماً لغوامض الأسرار السياسية، الإقليمية خصوصاً، كلما تسنح له فرصة التوحد و الانزواء اثناء قيامه بزيارة مدينة ( قم ) الإيرانية .
قراره يوم امس يتعلق بموقف مفاجئ عن حل ( اصحاب القبعات الزرق ) . هؤلاء الاصحاب يشكلون قوة صدرية ، نموذجية ، مسلحة ، تنزل فوراً ، بأمرٍ منه ، من الغيوم السود الى الارض العراقية . هذه القوة المُرة ، تسمى أحياناً ( القبعات الزرق) لأنها بلون السماء و يسمونها في احيان اخرى ( سرايا السلام) مهمتها حماية الشيخوخة الدينية، غير بالغة النضج السياسي، كما هو حال الأركان القيادية في جماعة الاسلام السياسي نالت تربية خصوصية باعتبارها (قانون القوانين ) منحدرة من ( القانون الإلهي ) بتأسيس ( جيش المهدي) من قبل التيار الصدري ، خصوصاً و عموماً ، بما لها من قدرة الحلول محل الأشكال التقليدية للقوات المسلحة التابعة للدولة العراقية . ربما يتيسر للقوة المحلولة ان تأخذ لها اسماً سرياً جديداً غير متو قع ، جماهيرياً ، مهيئاً لنموذج قادم من مهمات غير متوقعة ، ايضاً . من المهمات يمكن ان تكون قوة استبدادية ،غير مسلحة، لكنها قائمة خارج سيادة القانون .
من هذا و ذاك يمكن إبقاء وصفها ، انها ميلشيا و ليست ميلشيا .
انها ميلشيا لأنها مثل غيرها من الميليشيات العراقية الاخرى ، طائشة بكل المهمات . و هي ليست ميليشيا لأنها جزء من حماة التطبيق الدستوري، بالرغم من ان جميع أعضائها جهلة بأمور القانون .
اصدر مقتدى الصدر ، يوم امس، قراراً مسح فيه وجود ( ميليشيا القبعات الزرق) و ازال وجودهم التعصبي ، القاتل. هذه الميلشيا تضم سواد القتلة كما تضم القواصي المسلحة وأقل ما في مضمونها هم السفهاء من حملة ( التواثي) بعد ان طارت اخبار جرائمهم بقتل ٦ مواطنين و جرح ٨٠ مواطناً نجفياً آخر بهجوم وحشي شنّه القتلة و القواصي و السفهاء على المعتصمين في ساحة الأحرار ( الصدرين – سابقاً) بمدينة النجف مساء5 شباط 2020 .

الظاهرة العظمى في انتفاضة الشباب يمكن تسميتها : أسطورة جدلية كبرى . من غير المعقول ان الرصاص الحي و قنابل الغاز السام المسيل للدموع تنزل ، كل يوم، على ( ساحة الوثبة) و ( ساحة الخلاني) بإشراف و تخطيط و تنفيذ ( أصحاب القبعات الزرق) ، بينما يصرّ الشبّان المعتصمون على مواصلة الوجود ، السلمي، اللامعقول، في الساحتين المذكورتين، المدججتين بسلاح ٍ تغطيه القبعات . يمكن مشاهدة موجودات نفس الحالة و تجاربها في ساحة الحبوبي بالناصرية و ساحة الأحرار في النجف و ساحة البحرية بالبصرة و في ساحات عديدة نظيرة بمحافظات اخرى .
ترى هل اصبح اللامعقول ظاهرة معقولة ..؟
ترى بماذا تفكر الحكومة و سلطات الامن فيها حين تواصل مواجهة المتظاهرين و المعتصمين بوسائل القتل..؟
ما هو تفسير اللامعقول بمواقف الشبّان المعرضين للقتل.
و ما هو تأويل الموقف المتعالي بنظر الأجهزة الأمنية.
كلاهما ينخرطان بموقفين متعارضين . الطرف الاول ، حيث الشباب و الشابات ، و الطلاب مع الطالبات ، يشعرون بــ( العذاب) و (الوعي) و هم يواصلون التحدّي من اجل ان يكون لهم وطن يعيشون فيه أحراراً ، كراماً، بصورة إنسانية معقولة . بمعنى ان هدفهم في التضحية ، يتطلب منهم جهداً بالغاً ، معقولاً.
الطرف الثاني مجموعة مسلحة متضامنة مع الحكومة ، اسمها (قوات مكافحة الشغب ) هي نوع من الظلال و الاشباح شغلها الشاغل قتل الشبان ( المشاغبين) او جرحهم بما يملكون من سلاح الدولة . لا يعرفون لماذا هم متضامنين مع (الحكومة ) و لا يعرفون لماذا يتضامن معهم أصحاب القبعات الزرق ، غير انهم ، جميعاً، من قبيلة الدولة الطائفية. فعلها و فاعلها لا يخضعان إلّا لأوامر القائد العام للقوات المسلحة ، اي الى رئيس الحكومة.
بين هذين الطرفين يمتد حبل ثخين جداً و مختلط جداً يمسك به من طرفين ، متدينون مخادعون و متدينون مشعوذون و مجموعة ثالثة مليئة بالحيلة الدينية و الدنيوية . قسم من الممسكين بهذا الحبل مسلح و اخر نزع السلاح . النازع سلاحه – كذبا – وجده ( السيد مقتدى الصدر ) لا يستنير بشمس الديمقراطية الصدرية و صار من الأفضل حلّه و تنويع وجوده داخل ساحات الاعتصام و المعتصمين كشيء بشري عددي، في حالة سكون تام ، لا يتحرك إلّا تنفيذاً لأوامر صدرية عليا و تطبيقاً لفنٍ مطلقٍ من فنون الحالات السياسية، على وفق حكيم من حكماء مقتدى الصدر باعتبار القبعات الزرق القوة اللاشرعية من ضرورات المرحلة الجديدة تحويلها الى (قوة شرعية) عن طريق حلّها من دون محاكمة الذين قتلوا و جرحوا عشرات الشبان النجفيين و غيرهم . هذا ( الحل) هو الشكل المناسب لإيقاف ( المحاكمة) . ربما يكون هذا ( الحل) فعلاً مناسباً لإفساح المجال لاختفاء او هروب او سفر المطلوب وقوفهم امام القضاء بتهمة قتل المتظاهرين بالرصاص الحي و تفريق المعتصمين بالسلاح الأبيض . ربما..!
لابد أخيرا من الترحيب بهذا القرار، لكن لا بد من التنبيه ، أيضاً، الى ضرورة توجّه القرار المكمّل لحل القبعات الزرق، ان يبادر السيد مقتدى الى حرق الجليد من تحت اقدام ، الذين ارتكبوا جريمة قتل المتظاهرين في مدينة النجف بإحالتهم الى القضاء لينالوا العقاب العادل .
عسى ان يكون المسار مكتملاً..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.