رحلة رجل.. بين النجف والجنة – زيد شحاثة

لتفهم كيف يفكر شخص, أو تحاول تفسير أسباب مواقفه وأراءه التي يتخذها, يجب أن تعرف أولا بيئته التي نشأ فيها, والجو الأسري والعام الذي أحاط به, وماهية الأفكار التي إعتنقها, ومن هم الأشخاص المقربون الذين تأثر بهم, وكان يعتبرهم قدوة أو نموذجا له خلال سني حياته.
لمن لا يعرف النجف الأشرف, حاضرة علي أبن أبي طالب ومقر أعدل حاكم مر على تاريخنا بعد النبي الأكرم عليه وأله أفضل الصلوات.. هي مدينة عرفت بهويتها الدينية والأدبية, ناهيك عن كونها مقرا لأهم صراعات الفكر بكل أنواعه, دينيا كان أو سياسيا.. علميا كان أو أدبيا.
منها نبع أعظم نوابغ العلم والأدب, الفكر والنقد واللغة.. فكانت مكانا يُشد الرحال إليه طلبا للعلم, وللإستزادة لمن يحمل منه شيئا, من نوابغ باقي بقاع العالم , والإسلامية منها خصوصا.. لكن أهم تطور حصل, كان عندما أتخذها الشيخ الطوسي تغمده الباري برحمته, مقرا لحوزته و مكانا لإلقاء دروسه العلمية.
لا تختلف طريقة تربية ” البيوتات العلمائية” في تربية أولادهم عن بقية العوائل, إلا بمقدار الجو الذي يعيشه الطفل, والأمور والمحاذير والمتابعة التي ينالها الأبناء.. فرغم أن الأولاد يتاح لهم طفولة كاملة تمنحهم إشباعا كاملا, وترافقها لمحات تعليمية موجهة أكثر.. لكن تلك الطريقة تختلف تماما بعد السادسة أو السابعة غالبا, حيث يتوجه الأبن عندها لتحصيل دروس إضافية, من العلوم المختلفة, تتجه في أغلبها حول تخصصات, الفكر واللغة والعقيدة, تتدرج بساطتها بتدرج العمر.
بمثل تلك الظروف يتربى أبناء, أل ياسين والمظفر والصدر والحكيم و الجواهري وجمال الدين .. وغيرهم العشرات من الأسر العلمائية التي تستوطن النجف, أو قصدتها من بقية الحواضر الدينية.. ومنهم نبغ العلماء والفلاسفة والباحثون والأدباء والشعراء.
يختلف قليلا بعد عن هكذا حال, من كان مرجع الطائفة منهم.. فهذا يحملهم مسؤولية إضافية, كونهم يمثلون رمزية وقدوة أعلى لأتباع مذهب أهل البيت, عليهم وألهم أفضل الصلوات, فهم تحت مجهر العامة والخاصة, محبهم إقتداء وإتباعا لهم, ومبغضهم تسقطا وتتبعا للزلات, وحتى الهفوات الإنسانية العادية منها!
تمثل فترة ستينيات القرن الماضي, قمة بروز وتألق نجم الفكر الإشتراكي وما مثله من تحدي للتيارات الدينية, لما بينهما من تصادم فكري.. وكانت تلك الصراعات الفكرية تأخذ حيزا كبير من إهتماما الشباب في حينها.. وتدخلت فيها المرجعيات بقوة دفاعا عن الفكر الإسلامي, وكُتبت عشرات المؤلفات دفاعا ونقدا عن هذه الفكرة أو تلك.
يزداد الوضع تعقيدا, إن رافق هذه المرجعية, وكل ما سبق من ظروف محيطة, وجود حكم جائر متسلط يكره الدين والمتدينين, يميل لعلمانية عدائية مفرطة, وإن غلفها بغلاف ظاهره ديني أو مذهبي أو طائفي, كما حصل مع المرجعيات التي عاصرت حكم البعث ونظام صدام.. فيكون الضغط والمواجهة على أشدهما, وقد تصل حد التقتيل والتنكيل والمطاردة.
بمثل تلك الأجواء والظروف, كانت نشأة وتبلور شخصية الشهيد العظيم, السيد محمد باقر الحكيم.. أبزر وجوه المعارضة العراقية لنظام صدام, ورجل مرحلة خطيرة في تاريخ العراق والمنطقة, واحد أبرز المؤسسين لعراق ما بعد صدام والبعث.. ونموذج فريد للإسلامي المتنور, المنتمي لأحد أهم المرجعيات في القرن العشرين.. صاحب فكرة الدولة الحديثة التي يؤطرها الإسلام.
لا يسهل تصور الضغوطات التي تعرض لها الحكيم وأخوته الراحلين, فمنذ مرافقته للشيد العظيم محمد باقر الصدر, وبداية حركتهما التثقيفية العلنية, إستنادا لفكر والده الذي كان يتركز على تحميل الأمة مسؤوليتها ودورها, كان النظام الحاكم يضعها تحت مراقبته الشديدة, فهو يعرف أنهم سيكونون مصدر الخطر القادم نحو نظامه المستبد.. إلا أنه كان يخشى الإحتكاك المباشر بالمرجعية, فكان يحاول أن يقيد, أذرعها التي تتحرك وتنفذ رؤيتها, وتمثل فكرها لصلاح الأمة والوطن.
بعد أن أستقوى النظام, بقوى كبرى عالمية, مكنته من بسط نفوذه, وأمنت له الدعم الإقليمي, والقوة اللازمة لكبت أي رد فعل يمكن توقعه من الأمة, ويزامن ذلك مع رحيل زعيم الطائفة حينها السيد محسن الحكيم.. لم يتردد النظام, فهاجم بشكل مباشر, وكانت أولى خطواته إعدام الشهيد الصدر وأخته بنت الهدى, وإتهامه للشهيد الراحل مهدي الحكيم وملاحقة السيد محمد باقر الحكيم وإصدار حكم الإعدام بحقه.. ثم تبعه بعد ذلك اعتقال العشرات من أسرته, يتقدمهم أخوته وأبنائهم جميعا, فلم يفلت منهم إلا بعض كبار السن, أو من غادر العراق, قبل ذلك.
نجح الحكيم في الإفلات من قبضة النظام, لكن محاولات النظام لإغتياله هو و أخويه الأخرين, السيد مهدي والسيد عبد العزيز لم تتوقف.. فنجح في إغتيال السيد مهدي في السودان في الحادثة الشهيرة المعروفة.
إنتقال السيد محمد باقر الحكيم لإيران, وقربه من زعيمها أتاح له الإطلاع وبشكل مفصل على تجربة الثورة الإيرانية, وفهم نقاط نجاح قائد الثورة حينها, الراحل السيد الخميني, ودراسة المشاكل والصعاب التي واجهتها.. لكن ما يثير الدهشة حقا, هو فهمه العميق لإختلاف الواقع العراقي عن الحالة الإيرانية.. وعدم رغبته أو تصريحه بسعيه لإقامة نظام “حكم إسلامي” على غرار النموذج الإيراني.
يحسب للشهيد محمد باقر الحكيم, مواقفه التي تميزت بإعتدال ووسطية شديدة, وهي سمة تميزت بها الأسرة, حتى في مواقفها العلمية أو الدينية من مختلف القضايا, رغم محاولات الإستفزاز أو الإستدراج التي تعرض لها.. فقد كان يتميز بسعة صدره, وتقبله الرأي الأخر, وقدرته العجيبة والمميزة على, جمع المتناقضين والخصوم, لما له من مقبولية لديهم.
بعد سقوط نظام حكم البعث وعودته للعراق, كانت كل الأمور مهيئة لأن يتولى هو ومجلسه الأعلى للثورة ” التنظيم السياسي والعسكري الذي شكله خارج العراق” الحكم بكل يسر وسهولة, فهو التنظيم الأبرز والأكثر قوة وتنظيما وعددا, و كانت له مقبولية عظيمة لدى الناس, بحكم مكانة بينهم ولأسرته ولوالده الراحل.. لكن كل ذلك لم يدفعه للتفرد بالحكم, بل تنازل عنها لغيره, ممن لم يكن يملك ولا حتى ربع هذه المميزات!
قد يموت العظماء, وتبقى أعمالهم ومواقفهم وتأثيرهم وبصماتهم, على الأمة التي ولدوا فيهاوما تركوه من فكر وإبداع, ليخلدهم ويسطر بحروف من نور.. لكن الشهيد الحكيم قد تميز حتى في, مكان وتاريخ وطريقة شهادته عن غيره من العظماء..
يكتب كثيرا عن سيرة العظماء وحياتهم.. وكتب كثيرون عن حياة محمد باقر الحكيم وسيرته ومواقفه.. لكن أسهل وصف لحياته, أنها كانت رحلة بدأت في النجف الأشرف, وأنتهت عند أجداه وأهله وأخوته ممن سبقوه.. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.