زقازيق- هادي جلو مرعي

يبدو إننا في عالم سيرفع قريبا شعار” معا ضد القراءة” فلااحد يقرأ في الشرق العربي خصوصا حيث ينحرف الناس بإتجاه مغاير عن المألوف بعد حصول تطورات تقنية جعلت الناس في معرض النظر دون القراءة الواعية. رغم ذلك مايزال المواطنون في مدن أوربية وفي أمريكا وكندا يحملون كتبهم بأيديهم ويقرأون بها في الحافلات والطائرات والمترو، وحتى في المقاه التي تنتشر في كل مكان وتبحث عن زبائن كرام وهو مايدفع الى القول، إن المشكلة ماتزل في الشرق الذي هتف أهله قبل عقود طويلة، القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ. وإعترض العراقيون وقالوا، بل بغداد تكتب وتطبع وتقرأ دون الحاجة الى إنتظار ماتكتبه القاهرة، وماتطبعه بيروت، وهو صحيح عموما فقد عرف عن العراقيين جسامة مايؤلفون وينتجون من إبداع، وبغداد هي المدينة الوحيدة في العالم التي تحتفظ بسر وجود شارع شهير كان يستخدمه العثمانيون لربط الأحصنة، وحوله العراقيون الى أشهر شارع للثقافة في العالم” شارع المتنبي” ويفاخر العراقيون ويقولون، من شاء المنافسة فليأتنا بمتنبي يغلب متنبينا الكوفي وسنسلم له، ونرفع الراية البيضاء.
القراءة مهمة ليست هينة، وهي بحاجة الى الفهم وليس النظر، بمعنى تزامن النظر مع الفهم، والوعي بالكلمة والموقف الذي تعبر عنه، والرؤية التي يصدرها الكتاب المقروء، وهي منتجة على الدوام، ولعل من مكتسبات القراءة ” الفهم والمعرفة وحفظ الأسماء والعناوين والمدن والبيئات والثقافات والعادات والتقاليد والفلسفات” ومنها مايصنع الخيال الخصب الذي يتحرك بطريقة مبهرة فيوفر أجواءا أكثر موائمة لتفسير الأشياء وإدراك مايغيب عن الوعي الظاهر، وبذلك يتحول القارئ الى مثقف واع يمتلك القدرة على الفهم، والموسوعية التي تضمن له معلومات هائلة عن الأمكنة والثقافات العالمية.
الصحفيون يجب أن يقرأوا، وأن يفهموا، وان يكونوا أكثر وعيا بالأشياء والأحداث وأن لايتبلدوا فالعمل الصحفي يفترض الفهم والمعرفة، لا البلادة وإنعدام الثقافة كما هو السائد، وكم جميل أن يعرف الصحفي أسماء المدن، وجغرافيا البلدان، وعادات وتقاليد الشعوب، ومعان الكلمات والفلسفات التي تزخر بها مكاتب العالم ومدارسه التي تبعث النور في كل مكان، والخاسر الكبير من لم يبحث عن بقعة ضوء، بينما يقترب الظلام من نفوسنا وعقولنا.
شارع المتنبي يستقبل آلاف المرتادين يوميا، وفي كل جمعة، لكن هذا لايعني أبدا إن الناس ماتزال تقرأ، فواحدة من الظواهر السيئة إقدام السياسيين على شراء المكتبات العامرة، والمؤلفات الفخمة، والمجلدات التي يبلغ ثمنها ما لايستطيعه إلا ذو قدرة مالية عالية، ولكن هذا لايعني إن من يقتن الكتب يقرؤها، وهذا لايعني إن الناس تقرأ فالأمية تضرب المجتمعات العربية بقسوة، ولم يعد الناس يرغبون في القراءة، بل وصار الشبان الجدد في الغالب” لايفكون الخط” كما يقال، وإنشغل معظمهم بالأنترنت الذي يربي على الجهل أيضا لأنه يوفر لك بعض المعلومات، لكنه لايمنحك القدرة على البحث والفهم والتفاعل.
عرفت من طفلة إن معنى” زقازيق” هو السمك الصغير في النهر، بينما الإسم يطلق على مدينة شهيرة بمصر، ولم أكن أدرك ذلك لولا القراءة، وماأكثر مانجهل، وقيمة القراءة إنها تعرفنا بجهلنا، وهذا هو المنجز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.