سائرون تبدأ تجارة الإنتخابات من النبي محمّد- زكي رضا

لم يشكّل الدين مشكلة كبرى في حياة الشعوب، الّا حينما كان رجال الدين يستغلّوه للجمع بين السلطتين المدنية والدينية. كما وأنّ أي سلطة دينية تنحاز بالضرورة لأتباع دينها على حساب أتباع الديانات الأخرى، ولم يشهد التاريخ الإنساني سلطة دينية تتعامل مع بقية الأديان في أوطانها على قدم المساواة، بل لم يشهد التاريخ كذلك سلطة دينية تعاملت مع اتباع مذهب ديني من نفس الدين على قدم المساواة أيضا. فالكاثوليك والبروتستانت كانوا على صراع دائم ودموي تكلل بحرب الثلاثين عاما، التي بدأت مسيحية مسيحية قبل أن تتحول الى حرب سياسية هدفها إحتلال البلدان الأخرى. والشيعة والسنّة كانوا “لا يزالون” في صراع دموي بدأ إسلاميّا إسلاميّا بحروب بين الصفويين والعثمانيين كان العراق في أغلب الاحيان مسرحا لها، قبل أن ينتهي الصراع بإتفاقات سياسية لتقسيم مناطق النفوذ دون المساس بجوهر الصراع الطائفي القائم لليوم!

إن كان الصراع الديني هو سبب ويلات الشعوب الأوربية والعربية والإسلامية، فلماذا إستطاعت أوربا تجاوز محنها كمحاكم التفتيش وغيرها من الصراعات الفكرية وغير الفكرية فيما لا تزال الشعوب العربية والإسلامية غير قادرة على الخروج من أزماتها، إن لم تتعمّق هذه الأزمات أكثر، وهل السبب يعود الى طبيعة الدينين المسيحي والإسلامي ومفاهيم التسامح فيهما أم الى طبيعة السلطة فيهما؟

جميع الأديان وحتّى الوضعية منها تنادي بالعدل والتسامح، لكنّ اوربا وعلى عكس العالمين العربي والإسلامي أنهت سطوة المسيحية على القرار السياسي وبدأت ببناء دول تحترم الإنسان فيها من خلال تجريد الكنيسة من أهم عنصر قوّة لديها، وهو جمعها بين السلطتين الدينية والمدنية، على الرغم من عدم إعلانها قطيعتها مع الدين مطلقا فالكنائس عامرة ومحترمة، وحتّى دور عبادة الأديان الأخرى محترمة وتحصل على مساعدات مالية من السلطات فيها. فيما لازالت بلداننا تعاني من سطوة الدين على القرار السياسي وما له من تأثير على حياة الناس كونه مقدّس ولا يجوز نقده!

يعتبر الحديث عن القطيعة مع الدين ترف فكري وحلم طوباوي، كون الوعي الإنساني هو من يحدّد هذه القطيعة وطرق الوصول اليها. فالدين لليوم ولآماد مستقبلية غير معروفة يبقى حاجة روحية للكثير من البشر. لكنّ المهم ونحن نعيش عصر التكنولوجيا وغزو الفضاء وكل هذا التقدم العلمي الذي حققّته البشرية في مختلف مجالات الحياة، هو أنسنة الدين من خلال خطاب ديني عقلاني من جهة وفصله بالكامل عن منظومة الحكم، ولن يتم هذا الأمر الّا من خلال نظام علماني ديموقراطي يعزز من هيبة الدين وإحترامه بإبعاده عن السياسة كلّيا.

“السياسة لا أخلاق لها” مقولة يحاول الإسلاميّون القفز عليها من خلال بعض الآيات القرآنية والأحاديث المنسوبة للنبي محمّد، خصوصا إن كانوا على رأس السلطة أو منشغلين بالعمل السياسي. الّا أنّ حججهم ما تلبث أن تكون تحت مطرقة الكثير من الأسئلة التي تفرزها حياة الناس، حالما تُوَجَّه الأسئلة الملّحة عن إدائهم السياسي وفشلهم في تحقيق البرامج السياسية التي وعدوا شعوبهم بها. وما أن يشعر الإسلامي بعدم قدرته على مواجهة الناس حتّى يبدأ كالسياسي بالكذب والمراوغة لتبرير فشله، وهنا يكون قد لصق الكذب والمرواغة والسرقة والفساد بالدين. وعند هذه النقطة تحديدا يكون قد اساء للدين وليس للسياسة، كون السياسة تعني صراع من اجل المصالح والدين هو صراع الإنسان مع نفسه لغرض ارضاء الله. ولو عدنا الى التاريخ الإسلامي وليس غيره، لوجدنا الصراع بين التيارات والأنظمة الإسلامية وحروبها فيما بينها كانت من أجل السلطة وليس لأمر آخر. لنعد الآن الى المثال العراقي لنرى إن كانت الأحزاب الدينية التي على رأس السلطة ومعها المؤسسة الدينية المنشغلة بالشأن السياسي هي الأخرى، لديها أخلاق مستمدّة من الدين الإسلامي الذي تتاجر به من أجل مصالح دنيوية وليس آخروية. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”، هاتين الآيتين تكونان تجارة مربحة إن كانت بضاعة لنجاة العراقيين من عذاب الفساد والفقر والجوع والبطالة والإرهاب الذي يعاني منها شعبنا وهو يعيش عهد الإسلام السياسي، أمّا إن كانت غير ذلك وهي اليوم غير ذلك فعلا فأنّها تجارة خاسرة لنا كشعب ومربحة للمتاجرين بها وبالدين كلّه، ومن اكبر المتاجرين بهذه البضاعة اليوم هو مقتدى الصدر ومن يحرّكه ليتخذ المواقف المناهضة لشعبنا ووطننا.

لا شك في أنّ للحريّة حدود علينا التوقف عندها، كي لا يكون تجاوزها تحت أي ظرف سبباً في إشاعة الفوضى والخراب. والرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها مجلة شارلي إبدو الفرنسية حول نبي المسلمين وتناولها في مادة دراسية عنوانها حريّة التعبير، بدت غريبة عند المسلمين الذين لا يعرفون حرية التعبير في بلدانهم، لكنها في النهاية أساءت لرجل يقدّسه مئات الملايين من البشر. وكان رد الفعل الإسلامي ضدّها محليا “فرنسيا” لا يتوافق مع قوانين الدولة الفرنسية، ولا مع قوانين التمدن والحوار الحضاري. أمّا إسلاميا وعربيا، فقد جاءت الرسوم هبة من السماء لأنظمة لا تعترف بحقوق الإنسان ولا بالحريات العامة ناهيك عن حرية التعبير والرأي.

عادة ما يكون الحسين وآل البيت هم البضاعة التي يتاجر بها الساسة والمعممّين الشيعة، وهم يتحكمون برقاب الناس وحياتهم وثرواتهم. وغالبا ما تتفتق العقلية الدينية الشيعية وعند مواسم الإنتخابات عن مواقف ومحطّات دينية طائفية لكسب ثقة الناخبين الشيعة، وقد نجحوا لليوم في مسعاهم هذا بشكل كبير. ولم يكن النبي محمد يوماً جزءً من هذه اللوحة، فالنبي بالحقيقة يأتي في مراتب متأخرة في الفقه والأدب والتراث الشيعي مقارنة مع الإمام علي والحسين وجعفر الصادق والمهدي بل وحتى إبنته فاطمة. الا أن مجلة شارلي إبدو قدّمت لرجل دين كمقتدى الصدر حملة إعلامية مجانية ضخمة وهو في طريقه لخوض الإنتخابات البرلمانية من خلال تحالف سائرون، على الرغم من عدم حاجته لها كون القوانين الإنتخابية فُصِّلت على مقاسات أحزاب السلطة ومنها تحالف الصدر هذا.

لقد قدّم الصدر من خلال تحالف سائرون وهو يتهيأ لخوض الإنتخابات الرلمانية المبكرة، مقترح قانون لمعاقبة المسيئين للنبي محمد موقّع من 100 نائب برلماني الى لجنة الأوقاف والشؤون الدينية بالبرلمان لمناقشته وعرضه للتصويت. وهذا الأمر من الممكن قبوله لو كان المقترح متعلق بالعراقيين، لكنّ تحالف سائرون “الصدر” تجاوز الأعراف الدبلوماسية المتعارف والمتعامل بها، حينما ضمّن مشروع قانونه “البعثات الدبلوماسية المتواجدة في العراق في حال صدور الإساءة من أحد أفرادها مهما كان منصبه، ولا تعتبر الحصانة الدبلوماسية مانعة من المحاكمة”!! كما تضمّن مقترح القانون بـإنزال “عقوبات بالسجن تتراوح بين 10 إلى 15 سنة، في حال صدرت الإساءة بشكل علني، أما إذا لم تكن علنية فالعقوبة تكون الحبس من 3 إلى 5 سنوات، ويستوي في ذلك العراقي وغير العراقي”، وهنا يكون المشّرع الصدري قد وضعنا في حيص بيص كما يقال، إذ كيف سيتعرف القاضي على الشخص المسيء إن كانت إساءته غير علنية! وهل سيتعرف القاضي مثلاً على شخص أساء للرسول وهو وحيد داخل غرفة نومه، أو شخص رسم رسماً كاريكاتيرياً للنبي ومزّقه دون أن يراه أحد!؟

إنّ الصدر يتعامل مع الدولة العراقية والشعب العراقي كحاكم مطلق، فهو من يقترح القوانين وهو من ينفذّها وهو من يرسم سياسة الدولة وهو من يتحكم بنبض الشارع. وهذه الحالة المرضية خطرة جداً ليس على المشهد السياسي العراقي المعقّد والضبابي، بل خطر على مستقبل البلد ككل. فالصدر يتحرك كونه رجل دين وسياسي، وله جيش من الاتباع يمتازون بقلّة الوعي والقسوة في تعاملهم مع من يخالف قائدهم وإن أخطأ، خصوصاً في غياب الدولة القادرة على كبح جماحه والميليشيات التابعة له.

وهذا الإمام علي وكأنّه يصف أهل العراق اليوم يقول “إذا غضب الله على أمّة غلت أسعارها وغلبها أشرارها”.

زكي رضا

المقالات والبحوث تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.