سمات التغيير في المشهد العراقي منذ ثورة 14 تموز 1958- عبدالله جعفر كوفلي

تمر في هذه الايام الذكرى الثامنة و الخمسين لثورة 14 تموز 1958 الذي أطاح بالنظام الملكي و اعلن عن الجمهورية العراقية أملاً منها بتحسين الوضع الاقتصادي و السياسي للشعب , هذه الثورة التي حملت معها الكثير …
لاشك فيه أن العراق هي الدولة التي شهدت العديد من الثورات و الانقلابات و الانتفاضات في المنطقة قياساً مع غيرها من الدول التي كانت تشهد أستقراراً سياسي نوعاً ما .
اذن الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج من الوضع الراهن الى وضع أفضل أو أسوأ و هي تعني قيام الشعب بقيادة معينة من النخب لتغيير نظام الحكم بالقوة بواسطة ادواته مثل القوات المسلحة أو الشخصيات التاريخية ذات التأثير في الجماهير لتحقيق طموحاته بعد ان عجز النظام السابق من تلبية أحتياجات مواطنيه , أما الانقلاب و بأعتباره وسيلة لتغيير المشهد السياسي في أي بلد فانه يعني الاطاحة المفاجئة بنظام الحكم من قبل مجموعة تنتمي في الاصل الى هذا النظام ولكن بالاختلاف في الرؤى و المنهجية و غالباً يكون عن طريق الجيش و كثيراً ما تمني الانقلابات بالفشل أما بسبب كشفها قبل البدء بعملها او ضعفها امام من في الحكم و يكون مصيرهم الى حبال المشنقة ، أما في حال نجاحها فيكونون في السلطة و يبدؤن بتطبيق ما عملوا من أجلها … ناهيك عن الانتفاضات الشعبية التي كانت ايضاً وسيلة من وسائل التغيير في المشهد السياسي العراقي الذي رسم بأنهار من الدماء و التصفيات الجسدية .

و خلال المتابعة و التقصي فأن المرء يصل الى مجموعة من السمات التي بها تختلف المشهد العراقي عن غيره من البلدان ، لأن العراق في الاساس دولة الضرورة للمنطقة و للمصالح الدولية و كانت أداة لتنفيذ الاجندات المختلفة و من سمات الثورات و الانقلابات العراقية و التي تعتبر وسائل للتغيير في السلطة و الوجه السياسي للدولة :-

1. عدم الوفاء بوعودها : مما لا يختلف عليه أثنان بأن كل ثورة و أنقلاب تسبقها أعمال تمهيدية و تحضيرية من الاتصال بالاخرين و وضع الخطط و بيان مدى نجاحه من فشله و من هذه الأعمال اطلاق الوعود مع جماعات أو أحزاب سياسية أو مكونات معينة سواء قبل الثورة أو بعدها من أجل عدم اقدام هذه الجماعات بالوقوف ضد الثورة او اتخاذ موقف الحياد منها حتى تتسنى لها النجاح و في الايام الاولى من تسلمها السلطة تبدي موقفها بضرورة الوفاء بوعودها و التزاماتها تجاه الغير و عليه المسؤولية و التغير و لكن الصفة البارزة للثورات العراقية و انقلاباتها هي عدم الالتزام بعهودها فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد بأن ثورة 14 تموز 1958 قد قضت على نفسها بحل القضية الكوردية في أطار الدولة العراقية و على أثرها اتخذت خطوات في سبيل ذلك و كانت أتصالها مع القائد المرحوم (مصطفى البارزانى) و ضرورة عودته من الاتحاد السوفيتي السابق الى العراق بعد قضاء اكثر من عشرة سنوات هناك و منح الاجازات للاحزاب و صحفها و اشتراك المكون الكوردي في صنع القرار السياسي العراقي ولكن ما أن اثبتت جذورها و بسطت سيطرتها فبدأت بنقض وعودها و الغت اجراءاتها فكانت النتيجة قيام ثورة أيلول الكبرى ، و نفس الحال لثورة 17 – 30 تموز 1968 حيث اظهرت نيتها بمنح الشعب الكوردي حقوقه القومية و التي انتهت بتوقيع اتفاقية 11 أذار عام 1970 و لكن بعد فترة قصيرة بدأت بالمؤامرات المتتالية منها محاولة أغتيال قائد الحركة التحررية الكوردية عام 1973بواسطة مجمجوعة من رجال الدين و محاولة اغتيال السيد (ادريس البارزانى) في بغداد بتاريخ 6/12/1970 و أخيراً ابرام اتفاقية مشؤمة في الجزائر عام 1975للقضاء على أمال الشعب الكوردي للعيش بسلام كمواطنين أسوةً بغيرهم .

مع أمل الشعب الكوردستاني بعد عام 2003 بالتمتع بحقوقه لدوره الفاعل في التحرير و تشكيل الحكومات العراقية و المشاركة في صنع القرار السياسي و تثبيت حقوقه في دستور عام 2005 و ضرورة حل المشاكل العالقة بين الاقليم و الحكومة الاتحادية منها المناطق الكوردستانية خارج الاقليم و مسألة البيشمةركة و النفط …الخ و ما رأت النور الا و بدأت بنقض ما قطعتها على نفسها من وعود و يستنتج من ذلك ان الوعود التي كانت تطلقها الحكومات تأتي من ضعفها و ليست رغبة منها في حل القضية الكوردية العكس غير صحيح .

2. أنشاء محاكم خاصة : ان السمة البارزة للثورات و الانقلابات العراقية هي أنشاء محاكم خاصة لمحاكمة رؤوس النظام السابق و أعتبار أدائهم خيانة عظمى لايمكن ان يغتفر ، و يدل ذلك على عدم ايمانهم بمصداقية القضاء العراقي وأستقلاليته ، أو أن القوانين و المحاكم العادية لا تروى ضمئهم و ان هذه المحاكم كانت أداة لتصفية الحسابات السابقة و كثيراً ما كانت لها قرارات جاهزة و انها كانت شبه مهازل فكانت محكمة الشعب برئاسة المهداوي عقب ثورة 14 تموز 1958 و التي انتهت بأجراءاتها و قرارات سريعة عانق رقاب كثيرة حبل المشنقة كانوا يؤدون دورهم باخلاص و وفق القوانين المرعية و ان هذه المحاكم جعلت من مخلصي الامس خونة اليوم و كذلك انشئت محكمة خاصة بعد ثورة 17 تموز 1968 فكانت طريقاً للموت لأبناء الشعب و الكثير من البعثيين الذين يخالفون أوامر حزبهم أو مرؤسيهم و تلطخ بهم صفة الخيانة و العمالة و تدل كل الشواهد على ذلك .

اما بعد تحرير العراق عام 2003 فكانت محاكمة رؤوس النظام السابق مشاهد يومية للأنسان العراقي بين من يرى فيها عدالة السماء وآخر يتحسر ويحن لأيام حكم من كان يقف في قفص الاتهام ..

و هذا يعني بان المحاكم الخاصة كانت الصفة القانونية لأجراءات سياسية بحق السابقين و تصفيتهم .

3. الدعم الخارجي : مما لاشك فيه أن العراق دولة تأسست بقرار دولي وفق مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى عام 1921 وهم الذين أختارو النظام الملكي للعراق و هذا يعني بأن العراق لم يكن مستقلاً بقراراته الاستراتيجية بل كانت أسيرة أجندات خارجية (دولية أو أقليمية) و أن مشروع ومخطط كل أنقلاب أو ثورة اذا لم تمر بسفارة دولة معينة خاصة أمريكا او الاتحاد السوفيتي السابق لا تجد النور و مصيرها الفشل فعلى سبيل المثال أنقلاب (عارف عبدالرزاق / رئيس وزراء و وزير الدفاع في عهد عبدالسلام عارف) عام 1965 و بشهادته بعد فراره الى مصر منيت بالفشل لعدم مرور مخططها بالسفارة الامريكية و حاجتها الى دعمها . كما ان محاولة أنقلاب (ناظم كزار) عام 1973 باءت بالفشل و ذلك لتدخل الاتحاد السوفيتي السابق و تخطيطها لتأخير عوده (أحمد حسن البكر) الى العراق بعد أستكمال الاعمال التحضيرية للأنقلاب في مطار بغداد و التي انتهت بنهايته و هناك الكثير من الحالات التي تؤكد تدخل السفارات الاجنبية في تغيير المشهد السياسي سلباً او ايجاباً و هكذا هو الوضع لحد الان فان للسفارات الاجنبية دور كبير في ادارة دفة الحكم بين دعم لحزب و تيار و مكون معين او حتى شخصيات اعتماداً على مدى قربها منها و توافقها مع مصالحها و خاصة

امريكا و ايران و سيبقى الحال هكذا ماشاء القدر لان اصلها مبني على هذه الشاكلة و من الممكن ان تكون هنالك سمات اخرى و لكننا نكتفى بهذا القدر لانها الرئيسية و المؤثرة بصورة ظاهرة للعيان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.