عيد البنجة..الصابئة المندائية..اقدم ديانة توحيدية في العراق

يحتفل هذه الأيام أتباع الطائفة المندائية بعيدهم الأكبر أو بـ(البنجة) كما يسمونها بلغتهم الآرامية. دويتشه حضرت احتفالات عيد البنجة في عاصمة المندائيين، ميسان بجنوب العراق، وسلطت الضوء على شعائر وتقاليد هذه الطائفة.
رفض رجل الدين المندائي، مؤيد صالح سعيد، أن اقترب منه أثناء تأدية طقوسه الخاصة، واكتفى بالإجابة على أسئلتي من مسافة بضعة أمتار، لأول وهلة بدا الأمر غريباً عليَّ، لكن بعد أن أوضح لي أن الأمر يتعلق بالطقوس الخاصة بهذه الأقلية الدينية في العراق، احتفالاً بأهم أعيادهم. وقد فسّر لي سعيد رفضه الاقتراب منه بأنه لم يتم تعميدي من بعض “الخطايا الصغيرة”، حسب قوله، تبعاً لتقاليد الديانة المندائية المتبعة. وخلال حديثي معه قال سعيد إن “المندائيين يحتفلون بعيد الخليقة أو ما يُطلق عليه بالآرامية (البنجة) لمدة خمسة أيام، تكون فيها النفس خالية من الخطايا كونها منشغلة بالطقوس والشعائر الدينية”.

وتعتبر محافظة ميسان، الواقعة في جنوب العراق، عاصمة مقدسة لأتباع طائفة الصابئة المندائية، بعد أن هاجروا إليها من فلسطين بعد وفاة النبي يحيى، كما يقول سعيد في حواره مع دويتشه فيله. ويبلغ عدد أتباع هذه الطائفة في العراق حالياً قرابة 10 آلاف شخص، بعد أن غادر معظمهم العراق، فقد دفع عدم الاستقرار الذي تلا حرب عام 2003 إلى أكبر هجرة جماعية لهذه الطائفة من العراق، كما يقول سعيد. أما في العالم فيقدر عددهم بمائة ألف شخص.

أقدم طوائف العراق الدينية

وعن أصل هذه الطائفة يقول الباحث المختص في الديانة المندائية ناصر عامر جندال، في حديث مع دويتشه فيله، إن طائفة الصابئة المندائيين تعتبر من أقدم الديانات التوحيدية في العراق، مؤكدا ما قاله سعيد بأن المندائيين هاجروا من فلسطين إلى العراق بعد وفاة النبي يحي بسبعين عاماً؛ أي عام 30 ميلادية، واستقروا في جنوب العراق في محافظة ميسان تحديداً بعد بناء المعابد فيها.
وأوضح جندال أن ميسان التي تعتبر عاصمة (مقدسة) للصابئة، توجد فيها الموارد الطبيعية الملائمة لإحياء طقوسهم كالأسماك والطيور فضلاً عن الأنهار التي ترتبط بهذه الديانة بصلةً وثيقةً في تطهير الأنفس من الخطايا، حسب اعتقادهم. وعن طقوس هذه الطائفة يضيف جندال بالقول إن إحدى طقوس الديانة هو “التعميد الذي يعني ترك الذنوب في الماء والخروج بنفس طاهرة”، مبيناً أن لهذه الطائفة كتاب مقدس، وهو “كنزا ربا”، الذي يعني بلغتهم الكنز العظيم.

أعياد المندائيين

وبحسب جندال فإن المندائيين يعتقدون أن كتاب “كنزا ربا” يجمع صحف آدم وشيت وسام، بالإضافة إلى كتاب السيدرا وهو كتاب تعليمي لطقوس الديانة وتعاليمها ويشمل معلومات عن الزراعة ومواعيدها ومواعيد الأمطار. ويتابع الباحث بالقول إن المندائيين لديهم أربعة أعياد دينية تحتفل بها سنوياً، وهو العيد الكبير أو ما يسمى باللغة الآرامية (بالبنجة) أي عيد الخليقة، والثاني هو دهوا ربا، والثالث دهوا حنينه وآخرها عيد التعميد الذهبي أو دهوا اد ديمانة.

ويقدر جندال عدد المندائيين في العراق بنحو 10 آلاف شخص، وغالبية تواجدهم في المحافظات الجنوبية، مشيراً إلى أن الكثير منهم هاجر إلى خارج العراق بعد عام 2003 بسبب تردي الوضع الأمني. أما المهن، التي يشتهر بها أتباع هذه الطائفة الدينية الصغيرة في العراق، فهي الحدادة والنجارة وصياغة الذهب والفضة. وفي هذا السياق يضيف جندال قائلاً لكن هذه المهن باتت اليوم مهددة بالانقراض بفعل منافسة البضائع المستوردة.

طقوس مختلفة

وعن طقوس العيد يقول رجل الدين المندائي مؤيد صالح سعيد: “نرتدي الزي الأبيض أثناء إحياء مراسيم التعميد، عن طريق إدخال المعتمد إلى النهر وإخراجه لكي يغتسل من ذنوبه وخطاياه، وأثناء ذلك نرتل بعض الصلوات الدينية، عندها يخرج المعتمد كأنه ورقة بيضاء قد اغتسل من كل الذنوب”. ومن هذا التعميد تأتي تسمية الطائفة، إذ أن كلمة الصابئة مشتقة من الجذر (صبا) والذي يعني باللغة المندائية: “اصطبغ، غط أو غطس في الماء”.

أوضح سعيد أن هناك طقساً دينياً آخر يتمثل بالثواب، ويسمى بالآرامية بـ(الفاتورة) أي المائدة، والتي تعني “مشاركة أرواح الموتى ومساعدة المخطئين منهم وتكون عن طريق قراءة إحدى الصلوات على طعام ما، لنرسلها ثواباً إلى النسمة الموجودة هناك حتى تنفك من خطاياها”، على حد قوله.

تعايش مع ديانات العراق الأخرى

ويعزو رجل الدين في “المندي”، وهكذا يُطلق على معبد هذه الطائفة، سبب ارتداء الزي الأبيض أثناء إحياء شعائر الطقوس الدينية إلى لباس (ثياب) النبي يحيى بن زكريا، وهو شعار ممتد إلى النبي آدم، حيث تمثل هذه الثياب “النور والضياء وفيها بهجة وضياء للنفس”. ولفت إلى أن “ديننا يحث على السلام والوئام والألفة بين كل البشر، ولدينا حقوقنا التي نتمتع بها وعلينا واجباتنا كبقية أبناء الشعب العراقي، فضلاً عن علاقاتنا الطيبة مع أخواننا من أبناء الديانات الأخرى في البلاد”.
أسامة يحيى حميد كان أحد الذين قدموا هذا اليوم للتعميد، ويقول حميد في حوار مع دويتشه فيله: “جئت اليوم لأكفر عن ذنوبي”، مشيراً إلى أن أبناء الديانة المندائية تجمعوا منذ الصباح للمشاركة في إحياء الشعائر الدينية.

ويضيف حميد، البالغ من العمر 60عاماً، بعد أن أتم قراءة بعض الصلوات بلغته الآرامية “نتعايش مع أخواننا من الطوائف الأخرى بسلام منذ زمن بعيد في هذه البلد، كما لا توجد هناك أي خلافات أو نزاعات وأن طابع الود والألفة هو السائد في علاقتنا مع الآخرين”.

فوزية داود أحمد (55عاماً) كانت منشغلة بإعداد ما يسمى بالفاتورة لكي تتقرب بها إلى أرواح الموتى من أقاربها، حسب قولها، وذلك بترتيل بعض السور. وعن ذلك تقول: “نقيم طقوسنا في هذا العيد (البنجة) على ضفاف الأنهر ولمدة خمسة أيام، تكون مليئة بالتسبيح والصلاة في الليل والنهار”. وتضيف أحمد بالقول: “اشعر اليوم باني قد ولدت من جديد وذلك بعد أن عمدني رجل دين المندي داخل النهر، وأمنيتي في هذا العيد هي أن يعم الأمن والسلام العراق والعالم أجمع”.

مناف الساعدي – ميسان/ جنوب العراق

مراجعة: عبده جميل المخلافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.