غالب الشابندر..آخر كبار جيله- سليم الحسني

سليم الحسني

عندما نصفه بأنه آخر كبار المفكرين في جيله، فهي الحقيقة بدقة. أحاط غالب الشابندر بأهم جوانب الفكر الإسلامي، ودرس الفكر الغربي، في جولة مضنية استغرقت أكثر من ستين عاماً من القراءة المركزة. وحين يقرأ غالب الشابندر، فانه يتفحص الفكرة التي كتبها صاحبها، ويكتشف الفكرة الأخرى التي سكت عنها المؤلف. ولتمتعه بهذه القدرة النادرة، فقد بدأ منذ فترة مشروعاً ـ أظنه انه سيكون صادماً حين يطبعه ـ يتناول فيه أفكار الامام الشهيد محمد باقر الصدر التي لم يكتبها، إنما ضمنها بين السطور، وأخفاها وراء العبارات. وقدر مرّت العقود عليها وهي ضائعة مدفونة في مؤلفات الامام الشهيد، فقطع غالب الشابندر على نفسه وعداً أن يستخلصها ويعرضها في إنجاز علمي جريء.
في ستينات القرن الماضي ومعظم السبعينات منه، كان غالب الشابندر استاذاً لأجيال من المثقفين، صنعهم بحرص شديد، علّمهم الفكرة والكتابة والحوار، وكان يتنقل على عدة مناطق في بغداد، يعقد حلقاته الدراسية في المقاهي والأماكن العامة. وقد خصص لنفسه كرسي الاستاذية المصنوع من سعف النخيل وتختات الخشب كما هو الشائع في مقاهي بغداد في تلك الفترة.
كان يدخل مديرية الأمن العامة لنشاطه الإسلامي المكشوف، وحين يخرج من المعتقل يقصد المقاهي ليمارس التدريس والحوار والقراءة، وقد تكرر اعتقاله عدة مرات، لكنه لم ينته حتى صار حكم الإعدام أمراً محتوماً بحقه فهاجر العراق عام ١٩٧٧، الى الكويت، ليعيش هناك في كراج سيارات، وغرفة صغيرة ثم شقة ضيقة مع عائلته، فيتولى هو مهمته التعليمية، وتتولى زوجته الصابرة السيدة (فوزية حسون) غسيل ملابس المهاجرين الذين هربوا من نظام البعث، لتشارك زوجها في خدمة الآخرين الذين تقطعت بهم الأسباب.
ولو لا (أم عمار) لما وجد غالب الشابندر زوجة في حياته، فهي الوحيدة من بين كل نساء الأرض التي تستطيع ان ترافق رحلة حياته، وكيّفت نفسها لترافق هذا المفكر الصعلوك المتقلب المشاكس العنيد المتواضع الفوضوي. تحمّلت هذا الطفل العابث الذي لا يريد أن يكبر ولا يريد أن يتعلم ولا يريد أن يتغير. وصبرت على كرهه للراحة والثراء والحياة المريحة، فعاشت معه وهو يختار أسوأ الأماكن للسكن، وأتعس الظروف للعيش. تسايره وهو يضجر من لا شيء، وهو يبكي من دون سبب، وهو معزول عنها في قراءته وكتابته، وهو قريب منها في كتابته وقراءته، وهو يخرج في منتصف الليل يجوب الشوارع هائماً مع أفكاره، يجلس في ميدان عام أو على الرصيف يقرأ كتاباً، ثم يعود فجراً ليكتب وينام ويكتب ويقرأ وينام ويخرج، بلا نظام ولا مواعيد ثابتة.
واحدة من أجمل الفترات التي عشتها في حياتي، تلك الأسابيع التي شاركته السكن في أول زواجي عام ١٩٨٢، في شقته المتداعية، في زقاق ضيق من مناطق طهران القديمة، حيث البطانيات هي أبواب الغرف، وأكياس النايلون تنوب مناب زجاج الشبابيك.
و لا يمكن أن أنسى فضل (أم عمار) في تلك الأيام، كما لا يمكن أن أنسى مواقفها الأكبر والأهم من ذلك، حين يتصل بي غالب الشابندر في أوقات متفرقة من الليل والنهار، يتحدث في مواضيع مختلفة، ثم تتدخل (أم عمار) لتمنعه من أحاديثه المزعجة التي تثير حزني، فهي تدرك أن شريك حياتها عاشق الحزن، فلا تريد أن يتسرب منه الى غيره، إنما تكفلت وحدها أن تحتمله منه، فلقد مشت معه عقود العمر تلملم ما ينثره من دموع وعبث وألم وحزن ومشقة، وتسند ظهره حين يتعب وهو يقرأ ويكتب، ليخدم الفكرة والانسان في مهمة شاقة، لا يمكنه ان يتخلى عنها، بل يموت من لحظته لو تخلى عنها.
كان بمقدور غالب الشابندر أن يعيش أحسن الظروف، ولا يزال بمقدوره ان يصل الى الثراء، لكن بينه وبين المال علاقة غريبة، وبينه وبين الرخاء عداء مستحكم. يرفض رزم الدولارات تأتيه من بعض الشخصيات، لكنه في نفس الوقت يبحث عن بضعة أوراق منها يطلبها لقاء عمل بسيط لا يتناسب مع قدراته الفذة.
ما يقرأه الكثيرون في صفحة غالب الشابندر على الفيسبوك، هو استراحته البسيطة، هي جزء بسيط من رغبته العارمة للهروب من ساحته الفكرية، وكأنه يشعر بأن ما يكتبه من أبحاث عميقة في التفسير والتاريخ والفكر، ستعزله عن الشارع، فيسارع أن يكتب تغريداته، ينثرها بلا انتظام، ليطمئن أنه يعيش مع أبسط الناس ومع أحوج الناس الى الكلمة.
أشخاص برزوا في الواجهة، ملأوا الشاشات ومواقع السلطة، لكنهم أمام غالب الشابندر، لا يساوون شيئاً، إنهم يدركون ذلك، ولأنهم يعرفون الفارق الكبير بينه وبينهم، فلقد عمدوا الى إبعاده، وقد ساعدهم هو على ذلك، حين استصغر دنياهم ومناصبهم، لأنه يريد أن يبقى غالب الشابندر آخر الكبار من جيله.