فكرة عمل المرأة في القطاعات المهنية والشائع عنها في التصورات القديمة- هايل المذابي

لم أجد ثمة قصة حول نزاهة زعيم عربي من العصور الحديثة كتلك المروية عن الزعيم هواري بومدين وهي تتعلق بموضوع ضرورة عمل المرأة بشكل كبير حيث وبعد توليه لرئاسة البلاد إبان الثورة الجزائرية اخبر زوجته في أول وهلة لتنصيبه أن عليها أن تتعلم وتجد لنفسها عملا وقال موضحا بأنه لو مات فلن تجد من يعيلها أو يطعمها. كما أنه بعيدا عن هذا وفي سياق النزاهة ذاته تعمد أن يقوم بتغيير اسمه ولقبه بفرضية ألا يقوم أي أقاربه بإدعاء النسب ثم استخدام صلاحيات تلك القرابة بينه وبين الرئيس فيما ليس يملكه ولا يحق له أن يملكه من أمور وساطات وتوظيف ومنح للامتيازات وغير ذلك من اشكال الفساد التي عرفت عن كثير من الزعامات وذويهم.
وبعيدا عن ذلك فإن المكونات البنيوية للمجتمعات العربية بالذات وقد نجد ما يماثلها في بعض دول أوروبا والغرب قد توارثت بخصوص العلاقات الاجتماعية حقيقة مطلقة وهي شبه معممة من حيث أن الشباب هم الأجدر بالعمل دائما حتى يتهيئ لهم جو مناسب لنيل الاستقرار الأسري والحصول على زوجة وربما ان الاعتيادية على هذا جعلت من هذا الأمر تقليدا لا ريب فيه لكن الكوارث التي جاءت لاحقا اقتصاديا بالذات في المجتمعات العربية سببت تكدسا كبيرا في فئات الشباب والفتيات بالذات حالت دونهن ودون نيل ابسط حق غريزي تفترضه الحياة لهن. لكن لو كانت ثمة رؤية تقوم على مبدأ واعي ومثقف واحترام متبادل بين الجنسين وهي مهمة المكونات البنيوية للمجتمع لما استطاع اي تدهور اقتصادي ان يحرم الشاب او الفتاة حقهم في الزواج والارتباط طالما ان ثمة اتفاق مسبق على التكافؤ من قبل مفاهيم المجتمع التي نشأوا عليها.
السؤال: كيف تكونت تلك اللامتغيرات البنيوية?
وهل هي أصيلة أم مستحدثة?
تقول نظرية القرابة لعالم الانثروبولوجيا كلود لفي شتراوس أن الشعوب كافة تشترك في ذات الجذر الثقافي الممتد بشكل طبيعي من تفاصيل الغرائز الواحدة في النفس البشرية مع فارق في أساليب وأدوات التعبير عن تلك الثقافات المتشابهة. ولعل العالم النفسي كارل يونج صاحب أهم نظرية في العصر الحديث بخصوص مبدأ الثنائية الجنسية في الذات البشرية والتي تفترض المساواة بين الجنسين في بأي حال من الأحوال حتى ولو لم تتوافق طبائع المجتمع وعاداته وتقاليده المكتسبه والتنشأة مع هذه النظرة إلا أن ثمة أنثى داخل كل رجل وثمة رجل داخل كل أنثى والإنسان في الحالتين بين تعلل وانتقال بين هذه الثنائية بين حين وآخر. يقول كارل يونج في نظرية أخرى تسبق نظرية شتراوس ولعل هذا الأخير كان في نظريته امتدادا لأفكار يونج سماها نظرية الأنماط البدئية وثمة ترجمة أخرى هي النماذج العليا وهي ذات مضمون نظرية القرابة وتفاصيلها. وكمثال بسيط على هاتان النظريتان ماذا يمكن تسمية اكتشافات علماء الأنثروبولوجيا في العصر الحديث عن ذلك التشابه بين حضارتين في التاريخ القديم وتفاصيل ثقافتهما أحدهما في أقصى الأرض كحضارة الإنكا والأخرى في الأقصى الاخر كحضارة البير والدانومي? وحتى لا نذهب بعيدا كيف يمكن وصف التشابه بين أمثال الشعوب المتوارثة كنماذج عليا مثلا يقال في العربية “لا يفل الحديد إلا الحديد” ويقال في الإنجليزية تعبيرا عن ذات السياق والمضمون “Diamond cut Daiamond”. ?
ولقد ظلت بالمثل العادات والتقاليد الاجتماعية تمثل نماذج عليا بالنسبة لمعظم المجتمعات لكن حداثة العصور الحديثة ومكوناتها الحضارية لم تبذل أدنى جهد يمكن ذكره في تحديث هذه النماذج واللامتغيرات البنيوية وهنا كانت فجوة عظيمة مازالت تتسع كل يوم تشبه الفجوة بين العرب والعلوم التي حدثت منذ القرن الثاني عشر.
ولإن منظومة النماذج العليا للمجتمع تسير في سياقات قديمة فبالتالي فإن الحداثة والحضارة الجديدة لا تمثل سوى شكل فقط لا يتغلغل إلى الجوهر أو حتى له أي علاقة به والقليل في أفضل الحالات لا يمكن القياس عليه.
من ذلك التوهم الدائم تبعا لمقتضيات النماذج القديمة بأن ليس ثمة وجود يمكن أن تشغره المرأة في تفاصيل الأعمال والمهن لكن هذا باعتبارات قديمة تفترض عدم وجود أي آليات حديثة إو تطورات علمية مهنية يوفرها العصر الحديث ولذلك فلا يمكن ان تنخرط المرأة إلا قليلا في هذا القطاع المهني أو أنها صورة غير طبيعية تشبه تلك الصورة اللا معقولة التي يضعها الفرنسي بينيه بين مجموعة صور طبيعية في اختباراته لقياس الذكاء.
وهذه الفرضية المبنية على سياق تاريخي ليس له علاقة بالحاضر جعلت الشباب في حالة صدام دائم في أول العمر مع متتطلبات الحياة لإنه يواجه كابوسا حقيقيا يسمونه المستقبل يشبه تحدي الابحار بقارب بمجداف واحد لمحدث في هذا الشأن.
وبتحديث افتراضي لهذه النماذج سنجد ان الصورة الطبيعية القديمة تستند على مجموعة من المرجعيات وهي فقط ما يقوم بتغذية الفكرة ويمنحها الحيوية لدى الوعي المجتمعي فلا يقبل بأي شكل من الأشكال في بديل لها بسبب مرجعيات الفكرة التي تستند إليها وهي في معظم الحالات تقليدية تستند على قيم أبوية متوارثة مما يمكن ادراجه تحت مضامين المصطلح الشائع A tvaism . وهنا يكون السبيل الوحيد هو استبدال هذه المرجعيات بمرجعيات منطقية عقلية مستلهمة مما تفرضه الحضارة الحديثة وتفاصيلها من مجالات واعمال وعلوم ومهن لا يمكن عزل المرأة بأي شكل من الأشكال عن القدرة على مزاولتها.
لقد فرضت التصورات القديمة والنماذج العليا التي سادت فيها أن يصل عدد الفتيات العانسات في بعض المجتمعات إلى أكثر من 13 مليون عانس كما فرضت نظرة التمييز الدائمة القائمة على الاحادية في تحمل المسئولية استمرار ارتفاع المهور والبطالة وقد عزز من اسباب الوصول إلى هذه النتائج عدا تلك النماذج العليا أي انه منحه الحيوية السلبية لتثبت خطأ التصور والاعتقاد الفساد الذي تعيشه معظم المجتمعات بالاضافة إلى الأزمات الاقتصادية. لولا ان الفكرة القائمة على مبدأ الشراكة بين الذكر والأنثى تفترض رؤية أخرى حول عادات وتقاليد اجتماعية لم يتم تحديثها كالزواج وهي تستمد تفاصيلها من الحضارة التي نعيشها ومعطياتها التي يصبح الشريك فاعلا في كل شيء والزواج ليس اكثر من مجرد منزل يعيش تحته شابان بمسئوليات متساوية بدء من العمل والمشاركة في تحمل المسئولية المنزلية بكل متطلباتها بالتساوي حتى في ساعات الاختلاف لا يمثل اي طرف عبئا على ذويه مثلا او حتى على المجتمع بما تفرضه البطالة والسائد حول حالات الانفصال في عادات وتقاليد المجتمع. إنها رؤية تفترض الحرية للطرفين والمسئولية والإلتزام في ذات الوقت.
إن أهم ما يمكن قوله في ختام هذا المقال ان فرضية التحديث لمنظومة اللامتغيرات البنيوية والنماذج العليا الخاصة بموضوع الشراكة والمساواة في الأعمال والمهن بكل أنواعها بين الجنسين هي ضرورة إن لم تفرضها متغيرات الحضارة الحديثة فإن أهداف التنمية المستدامة وغاياتها هي ما يفرض ذلك التحديث بالضرورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.