فيروز والمطر .. كلاهما يصنع الحياة- قحطان السعيدي

فيروز غيمة حبلى تراقص السماء، تستمطرها طقوسا وصلاة، بانتظارها عوالم قاحلة، اذا أمطرت لا يرتوي من غدرانها الا العاشقين وان شربوا زادوا ظمأً.. بتوأمة قلّ نظيرها جمعت قمم لبنان الشمّاء فيروز والرحابنة ثنائياً ،دخل عوالم طفولتنا، وشارك احلام يقظتنا، رقصنا معاً، وعدونا معا، وزعلّنا ورضينا وعبثنا وللقدس صلّينا معاً، تلك فيروز في صباحاتنا .. في مساءاتنا .. في وصالنا وبعادنا .. تمر السنين ويردّد غنوتها العاشقين:
“يا حلو يا حبيبي ال ماببيعك بالدني
و كل سنة بحبك أكتر من سـنة”
فيروز ،أيقونة للصباح، وسفينة العشق في ليل المِلاَحُ، كم غادرنا مرافئ نردّد اندلسياتها في شعر الاخطل الصغير، حين تغنّي:
“سيّد الهوى قمري .. مُورق الجمال طري
دائم الوجد والغوى .. سيّد الهوى قمري ”
فيروز .. ندى الورد، وخمر الهوى، ودفاتر أسرار العاشقين، حين تطربنا بوصف كركرات طفولتنا ومواقد دفئنا، وفضول عشاق صغار احتلوا مقاهي بيروت العتيقة :
“في قهوة عالمفرق في موقدة و في نار
نبقى أنا و حبيبي نفرشها بالأسرار
جيت لقيت فيها عشاق اتنين زغار
قعدوا على مقاعدنا … سرقوا منا المشوار”
فيروز مغرورة حتى تصنع الغرور في نفوس العشاق، تشّدو العاشقين،تجعلهم اكثر زهوا، حين تغني:
“ياحلو يا مغرور
ياحبق و منتور
على سطح العالي”
فيروز تنهدات ليلية تلملم جراح العاشقين، وتبدد الخوف، وتبعث الحنين، بتساؤلات طفولية، حين تغني:
“سالتك حبيبي لوين رايحين
خلينا خلينا وتسبقنا سنين
اذا كنّا ع طول .. التقينا ع طول
ليش منتلفّت خايفين …..
ويا دنيي شتي ياسمين..
ع اللي تلاقو ومش عارفين”
فيروز علّمت العاشقين في رحاب الكون كيف تكون الدبكة اللبنانية ملحمة عشق ونبض حياة .. حين تغنّي:
“حبّيتك وسع الغابات
اللي حدودا حدود اللفتات
وسع الغيم بصبحيات
يرحل خلف تلال تلال”
ها أنا في مقعدي ارتجف من شعري حتى اخمص قدميّ .. اذ سمعت فيروز لبغداد تغني:
“أنا جئت من لبنان من وطن
إن لاعبته الريح تنكسر
صيفاً و لون الثلج حملني
و أرق ما يندى به الزهر
عيناك يا بغداد أغنية
يغنى الوجود بها و يختصر
لم يذكر الأحرار في وطن
إلا و أهلك العلى ذكروا”
فيروز لبنان مدرسة للحب منذ الازل، حتى أضحت بها بيروت واحة ورد وفلّ، عشق ألفناه، وغرقنا في دروبه شوق ووجد وأمل، وعيون ذهلت بغداد بسحرها منذ قال علي ابن الجهم:
“عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري”
وفيروز غنّت لعيونها:
“يا عيني ع هالعينين العا دنية ورد انفتحوا
و كيف ما التفتوا ع الميلين قلوب قلوب بينفتحوا”
وها أردد ما قاله نزار قباني وصدحت به فيروز:
“لا تسألوني ما إسمه حبيبي أخشى عليكم ضوعة الطيوب
والله لو بحت بأي حرف تكدس الليلك في الدروب
ترونه في ضحكة السواقي في رفة الفراشة اللعوب
في البحر في تنفس المراعي و في غناء كل عندليب”
تحية لميلادك الحادي والثمانين يا أميرة الغناء، وزهو الصباح، وندى الورد، وضوع المسك، وغنوة الشوق والحنين، وروح عاشقة تغني مغمّسة بعطر الياسمين .. إليك اصلي.
Kahtan.alsaeedi@gmail.com

قحطان السعيدي
قحطان السعيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.