في مواجهة العدوان التركي على العراق- عبدالخالق حسين

لو تأملنا جيداً سياسة تركيا الأردوغانية “الإسلامية” في السنوات الأخيرة لوجدنا أن تركيا تتصرف كإسرائيل، بل وبديلاً عنها في خلق الفوضى الهدامة والمشاكل لدول الجوار، وبلباس ظاهره التحدي لإسرائيل وخدمة القضية العربية، ولكن في جوهره العكس تماماً. فكلنا يتذكر مسرحية ترك أردوغان منصة إحدى ندوات منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا احتجاجا على مداخلة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بشأن الهجوم الإسرائيلي على غزة، وما تلاه من مسرحيات قرقوزية مع إسرائيل دفاعاً عن القضية الفلسطية!! بينما الحقيقة وكما كشفت الأيام كان غرض أردوغان من هذه السياسة هو خدع الشعب التركي بالتلاعب بمشاعره الدينية، والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، لتثبيت سلطته، وبالتالي قدم خدمة لإسرائيل بدعم داعش وخلق المشاكل المدمرة لدول الجوار، وخاصة العراق وسورياً.

لقد بات معروفاً لدى القاصي والداني أن تركيا تتعاون مع السعودية وقطر في دعم الإرهاب الداعشي، بغطاء محاربته. تركيا عارضت الدور الروسي في محاربة الإرهاب في سوريا لأنها تأكدت من جدية روسيا، لذلك قامت بإسقاط المقاتلة الروسية سوخوي 24 داخل الحدود السورية بحجة الدفاع عن سيادتها من خرق أجوائها لـ 17 ثانية، بينما أكدت روسيا أن هذا التجاوز لم يحصل مطلقاً.
وحتى لو صدقنا ادعاءات أردوغان، فهل يستحق الخرق لـ17 ثانية إسقاط طائرة لدولة صديقة مشاركة مع تركيا في ضرب الإرهاب؟ وفي هذا الخصوص قال مسؤول يوناني أن المقاتلات التركية خرقت الأجواء اليونانية بمعدل 6 مرات يومياً في عام 2014، واليونان لم تطلق رصاصة واحدة عليها(1).

أما التجاوز التركي على سيادة العراق فحدث ولا حرج، فخلال الثلاثين سنة الماضية قامت تركيا ليس فقط باختراق طيرانها العسكري للأجواء العراقية، بل وبإرسال قوات أرضية أيضاً لضرب قواعد الحزب الكردستاني العمالي(PKK) في جبال قنديل العراقية، ودون أي احترام لسيادة العراق. ولم تكتف تركيا بكل هذه التجاوزات، بل قامت أخيراً باحتلال أراضي في بعشيقة العراقية التابعة لمحافظة الموصل، وإقامة قاعدة عسكرية فيها تضم نحو 1000 عنصر عسكري ونحو 20 دبابة ومدرعات، ودون أي علم أو تنسيق مسبق مع الحكومة الاتحادية العراقية.

لماذا قامت تركيا الأردوغانية باحتلال أراضي عراقية؟
يدعي أردوغان أنه أرسل هذه القوات لتدريب البيشمركة الكردستانية، والحشد الوطني (مليشيات الأخوين النجيفي)، وبدعوة من رئيس الاقليم السيد مسعود بارزاني، و محافظ الموصل السابق أثيل النجيفي!!. والمعروف أن أردوغان يحارب الأكراد في بلاده، بل ويحارب الأكراد حتى في سوريا وهم الذين ألحقوا الهزيمة بداعش وحرروا مدينة كوباني (عين العرب) السورية، فكيف يريد تدريب القوات الكردية في العراق ولماذا؟ وهل تدريب البيشمركة والحشد الوطني يحتاج إلى الدبابات والأسلحة الثقيلة الموجودة أصلاً بكثرة في كردستان العراق؟
فالسيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم الذي يعتبر دستورياً جزءاً من العراق، و كذلك أثيل النجيفي، لا يحق لهما مطلقاً عقد اتفاقات عسكرية وخارجية مع الحكومات الأجنبية، لأن هذه الاتفاقات هي من صلاحيات الحكومة المركزية فقط. لذلك فتواجد القوات التركية في الأراضي العراقية وبأسلحتها الثقيلة يعتبر عدواناً غاشماً على العراق، وانتهاكاً صارخاً لسيادته الوطنية، و ليس لمحاربة الإرهاب، بل دفاعاً عنه، ولأطماع تركية قديمة في إلحاق الموصل. إذ كما قال الكاتب اللبناني أمين قمورية في صحيفة النهار: ((وتشير دلالات عدة في التأريخ العراقي الحديث الى أن الاتراك يريدون السيطرة على المناطق النفطية في العراق ومنها كركوك و الموصل. وكان أحمد داود أوغلو الذي كان وزيراً للخارجية التركية صرح عام 2009 عندما زار الموصل: ” في يوم من الأيام دخل أجدادنا هذه المنطقة وهم يركبون الخيول وسيأتي يوم نعود نحن الى هذه المنطقة و لكن بمعدات حديثة”. والآن ها هو الجيش التركي يأخذ راحته في الدخول الى هذه المنطقة و يستقر فيها))(2)
والجدير بالذكر أن سبق العدوان التركي، لقاء مسعود بارزاني وأردوغان مع الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز في الرياض، والذي تلاه إعلان تحالف إسلامي بقيادة السعودية، يضم 34 دولة إسلامية “لمحاربة الإرهاب”، ودون أن توجه الدعوة للعراق، وسوريا، وإيران، أي الدول الرئيسية المعنية أكثر من غيرها بمحاربة الإرهاب. وهذا يدل، وكما قال العديد من المحللين السياسيين أن هذا الحلف هو سني طائفي لمحاربة الشيعة وإيران وسوريا والعراق، وتفتيتها، وليس لمحاربة الإرهاب.(3).

في الحقيقة إن الغزو التركي للأراضي العراقية هو واحد من سلسلة أحداث دموية أخرى مترابطة مع بعضها البعض، مثل إسقاط الطائرة العسكرية الروسية، و إسقاط الطائرة المدنية الروسية في شرم الشيخ وقتل 224 سائحاً روسياً، وإعلان التحالف الإسلامي بقيادة السعودية، كل ذلك جاء رداً على قيام روسيا بضرب الإرهاب ومصادرها النفطية في سوريا بمنتهى الجدية، كذلك الانتصارات العظيمة التي حققتها القوات العراقية المشتركة على الإرهاب الداعشي،  بينما التحالف الدولي الذي يضم تركيا، بقيادة أمريكا، لم يكن جاداً في ضرب الإرهاب، بل يعمل على احتوائه فقط ضمن حدود معينة، لأن أمريكا وحلفائها في المنطقة تريد استخدام الإرهاب لتغيير الحكومات التي لا تنسجم مع سياساتها في المنطقة. كذلك حرَّم الروس تركيا من النفط المهرب الذي تسرقه داعش وتصدره عن طريق تركيا، وتورط أردوغان وابنه بهذا التهريب. أما الحملة الأخيرة من قبل التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة الإرهاب في سوريا والعراق فغرضه الرئيسي هو امتصاص غضب شعوبهم بعد المجزرة البشعة التي قامت بها داعش في باريس، ووصول شرارتها إلى أمريكا.
لذلك فهناك مساعي محمومة من قبل تركيا والسعودية وقطر لحماية داعش بحجة محاربتها. كذلك معاملة إقليم كردستان كدولة مستقلة، والإصرار على تشكيل مليشيات سنية باسم (الحشد الوطني) مدعوما من تركيا، في مقابل الحشد الشعبي، والادعاء أنه مدعوم إيرانياً… بينما الحشد الشعبي يضم جميع مكونات الشعب العراقي، وتابع للحكومة المركزية. كل ذلك يشير إلى أن هناك وراء الأكمة ما وراءها.

الغرض من تجاوزات تركيا على العراق ودعم الإرهاب هو ما يلي:
أولاً، استغلال الضعف الذي يعانيه العراق لتحقيق الأطماع التركية القديمة في الموصل وكركوك ومنابع النفط،
ثانياً، تقسيم العراق إلى دويلات على أسس عرقية وطائفية متناحرة، وتحت مختلف الأسماء مثل كونفيدرالية شبيهة بالكونفيدرالية السويسرية، ولكي تستنزف طاقاتها البشرية والمادية في صراعات وحروب مدمرة فيما بينها على الحدود والمناطق المتنازع عليها، والمستفيد الأكبر هو إسرائيل لتبقى الدولة العظمى في المنطقة.
ثالثاً، حماية داعش من الإنهيار، والآن انبثق “الحلف الإسلامي أو السني” بقيادة السعودية، لتبديل داعش بجيش من المرتزقة قوامه مائة ألف عسكري، وإقامة دولة سنية تضم المحافظات السنية العراقية، وشرقي سوريا. (راجع مقال جون بولتن)(4).

ماذا على الحكومة العراقية أن تفعله لرد العدوان التركي؟
يطالب العراقيون رئيس الحكومة العراقية الدكتور حيدر العبادي بطرد القوات التركية بالقوة إن تطلب الأمر، ولما أثبتت الحكومة عجزها في ذلك، وصفوها بالحكومة الانبطاحية؟ والسؤال هنا هل بإمكان الحكومة العراقية استخدام القوة لدحر العدوان التركي وهي تعاني من الضعف والتمزق، وأغلب القيادات الكردية (جناح بارزاني)، والقيادات السنية و كتلة أياد علاوي”الشيعي”، مؤيدة للتوغل التركي، والتحالف الإسلامي بقيادة السعودية، وولائها لتركيا والسعودية أكثر من ولائها للعراق؟ و حتى كتلة التحالف الوطني (الشيعي) الذي ينتمي له رئيس الوزراء هو غير موحد.
طبعاً من حق العراقيين إعلان غضبهم على العدوان التركي، و استنكارهم له، ومطالبة حكومتهم باتخاذ الاجراءات المطلوبة لرد العدوان، ولكن السؤال الآخر هو: هل تصرفت تركياً في كل ما فعلته من دعم الإرهاب الداعشي، وإسقاط الطائرة الحربية الروسية، واحتلال أراضي عراقية، كان تصرفاً من تلقاء نفسها وبإرادتها المستقلة، وبمعزل عن أمريكا وحلف النيتو؟
الجواب في رأيي لا يمكن أن يكون إلا بكلا وألف كلا ، لأن تركيا هي عضو فعال في الحلف الأطلسي الذي تقوده أمريكا، ولا يمكن لتركيا أن تزج الحلف في صراعات مع دولة كبرى مثل روسيا، قد تهدد بحرب عالمية، كذلك عندما حاولت تركيا تهدئة العراقيين بسحب بعض قطعاتها العسكرية من بعشيقة لتوهم بأنه انسحاب من العراق، أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية تقريراً نقلاً عن مسؤولين أتراك، إن التحرك الأخير للقطاعات التركية ليس إنسحاباً، وإنما إعادة نشر للقوات التركية في معسكرات أُخرى في داخل كوردستان العراق(5).

نستنتج من كل ما تقدم، أن تركيا الآن مثل إسرائيل، هي مخلب القط الأمريكي، تقوم بالعدوان على دول المنطقة، المعارضة للسياسة الأمريكية، مثل إيران والعراق وسوريا، واليمن، والعمل على تغيير حكومات هذه الدول أو سياساتها بما ينسجم مع السياسة الأمريكية ومناهضة لروسيا. ومعنى هذا أن تركيا والسعودية ودويلة قطر تنفذ ما تملي عليها أمريكا.
كذلك يجب أن نضع في الحسبان، أن القوات العراقية المسلحة، وكما قال مرة مسؤول أمريكي كبير، أن ولاء الضباط العراقيين لقيادات مكوناتهم الأثنية والطائفية، وليس للعراق. ولذلك تم تسليم الموصل والأنبار إلى داعش بدون إطلاق رصاصة واحدة بناءً على تنفيذ هؤلاء الضباط لأوامر قادتهم السياسيين (بارزاني والنجيفي وغيرهما)، وليس من القائد العام للقوات المسلحة أي (رئيس الوزراء) حسب ما أقره الدستور. وقالها السيد مسعود بارزاني علناً يوم تسليم الموصل إلى داعش “أن الحرب مع داعش هي صراع سني- شيعي، وأن الكرد غير معنيين بها”. وجعل أربيل ملاذاً أمناً للضباط الكرد والموصليين الذين خانوا واجبهم الوطني، وسلموا الموصل إلى داعش.
وإزاء هذا الوضع العراقي المزري، فماذا يستطيع رئيس الحكومة العراقية عمله، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن السياسة فن الممكن؟
لا أعتقد أن بإمكان الدكتور العبادي، أو أي شخص في منصبه، استخدام القوة في طرد القوات التركية عدا استخدام القنوات الدبلوماسية والاقتصادية، والإعلامية، وتحشيد الشعب العراقي، والعمل على رص صفوفه ووحدته ، و فضح القيادات السياسية المتواطئة مع العدو على حساب السيادة الوطنية، واعتبارها خيانة عظمى. فحتى لو قامت القوات العراقية بضرب القوات التركية المعتدية، فيمكن أن تُضرب القوات العراقية بالنيران الصديقة الأمريكية وما أكثرها هذه الأيام، كما حصل يوم الجمعة 18/12/2015، عندما تعرضت قوة عسكرية عراقية في جنوب الفلوجة لقصف من طيران التحالف الدولي “عن طريق الخطأ” أودى باستشهاد ضابط وتسع من المراتب وعدد من الجرحى. وهذه ليست المرة الأولى، بل حصلت مرات عديدة سابقاً خاصة عندما تحقق القوات العراقية انتصارات على داعش.(6)

لذا فالمطلوب من الحكومة العراقية أن تتصرف بحكمة وذلك بتشديد الضغط الدبلوماسي والإعلامي على تركيا، وعلى أمريكا في المحافل الدولية، وخاصة في مجلس الأمن الدولي، وتقوية علاقتها مع روسيا والصين، ومطالبة أمريكا بالإلتزام بالمعاهدة الأمنية المعقودة بين العراق وأمريكا والتزاماتها الأخلاقية، بعدم القيام بنقض القرار الذي قد يصدره مجلس الأمن الدولي لصالح العراق بإرغام تركيا بالانسحاب. وإذا ما استخدمت أمريكا (الفيتو) ضد قرار المجلس، فهذا يحرج أمريكا نفسها إذ تؤكد للعالم أجمع أنها هي وراء الإرهاب، ووراء كل التصرفات التركية السعودية القطرية التي تدعم الإرهاب في المنطقة. وإذا ما استخدمت الحكومة العراقية هذه الضغوظ، أعتقد أن أمريكا ستحاول بدورها الضغط على حليفتها تركيا بسحب قواتها من العراق لكي تتجنب استخدام النقض في مجلس الأمن، وبالتالي تتخلص من الاحراج والفضيحة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.