قفاز الحرير لتمسيد الأكتاف يارئيس وزرائنا- علي علي

لم تخلُ الساحة العراقية طيلة فترات استلام الحكومات المتعاقبة زمام أموره، منذ العشرينيات من القرن المنصرم حتى اللحظة من أحداث العنف، حيث استحالت تلك الساحة الى حلبة، تسيل عليها الدماء بوتائر تشتد تارة فتنتشر نقائع الدم على امتداد محافظاته، وتخف حدتها تارة أخرى فيتنفس العراقيون الموجوعون المقهورون شيئا من الصعداء التي يحلمون بها، لاسيما وأنهم يقطنون في بلد فيه من الخيرات مالاتتوافر في بلدان أخرى مجتمعة، وهم أولى بالعيش الرغيد والحياة المرفهة من سكان دول فقيرة، لاتمتلك معشار ما تطرحه أرض العراق من ثروات متعددة النوع طائلة الكم. وما يؤسف له أن الاقتتال وأعمال العنف هي الأخرى تتعدد أصنافا وتتزايد كما مع تناسل الشريرين في سدة الحكم. ويبدو ان معاناة العراقيين إبّان حكم الدكتاتور صدام ونظامه الدموي، لم تكن تكفي لتشفي غليل هؤلاء ممن يستمتعون برائحة شواء لحوم البشر، الذين ان لم يجدوا نارا، استعانوا بنار الصديق والعدو على حد سواء، لتحقيق تلك الرغبة الجامحة التي تنم عن ساديّتهم ودمويتهم. وما استغلالهم لظرف او حالة يمر بها العراق الا محك لإظهار معدنهم الصدئ، كما يقول المثل العراقي: (رزق البزازين على المعثـَّرات). وهذه الـ (بزازين) وجدت في أرض العراق مرتعا خصبا لها بعد أن ولى منه المقبور وأزلامه، وخلو الملعب لهم، فراحوا يمارسون ألعابهم المشبوهة وسرقاتهم المريبة التي ما انفكوا يتمادون في استنفار كل طاقاتهم للحفاظ على ديمومة ريعها ونفعها في جيوبهم. مقابل هذا فقد تركوا حبل مصالح البلاد والعباد على غارب اهتماماتهم -وهي من صلب واجبهم- فتداعت عجلة البلد وتقهقرت الى ماوصل اليه الحال وآل اليه المآل. ولطالما كانت مشاحناتهم ومناكفاتهم النفعية سببا في تمدد نجيع الدم في الشارع العراقي، حيث يبدو جليا امام اي مُنَظـِّر للأحداث ان معظم التفجيرات تحدث عقب خِلاف بين كتلتين او حزبين او شخصيتين سياسيتين، وسواء أكان هؤلاء المختلفون هم المدبرين، أم بإيماء منهم، ام باجندات داخلية او خارجية، فان قطرة دم عراقي بريء تـُراق، لاتكافئها كل مصالحهم وسرقاتهم. ويبدو ان الصنم الذي سقط عام 2003 ليس الأخير الذي كان  حتميا سقوطه، بل ان هناك أصناما أخرى ينبغي لها ان تسقط ودورها آتٍ لامحالة، وهذه مهمة قبطان سفينة العراق، حيث يتوجب قطع أي يد تعبث بسلامة شراعها وقطع دابر كل من يسيرها ضد التيار المؤدي لبر الامان.
إنه لمن المحزن أن يصرح أحد الساسة في عراقنا الجديد أن الوضع الأمني سيأخذ طريقه الى التردي والتوتر والمزيد من حالات العنف، وسيشهد الشارع العراقي انفجارات ستطال المواطنين الأبرياء، وقطعا ستشمل السني والشيعي والكردي والمسيحي والأيزيدي والصابئي والشبكي، فهم جميعا هويتهم عراقية، وهي المقصودة والمستهدفة في أعمال العنف جميعها، فقد ثبت من السنين العشر التي خلت ان جميع العراقيين بلا اسثناء هدف شاخص لفرضة وشعيرة أعداء متلونين، منهم عدو واضح ومنهم بزي صديق، يكشِّر عن أنيابه في أية لحظة. وما أكثرهم في ساحتنا العراقية، اولئك الذين يتحيَّنون الفرص كضباع مسعورة، لإشعال فتيل أية حرب صغيرة أو كبيرة، لايذهب ضحيتها إلا (ولد الخايبة) الأمر الذي تقف أمامه الأجهزة الأمنية -عادة- موقفا غير محمود، وغير ذي جدوى أمام كم الأموال المصروفة للكم الكبير من منتسبي القوات المسلحة بصنوفها كافة.
أظن الوقت قد حان -إن لم يكن قد فات- في تدارك ماوصل اليه حال العراق، وهذا يتطلب من الحكومة اتخاذ موقف حازم وحاسم، يقبر اي مسعى لتشظية الهمة العراقية في البدء بالبناء، وهذا الأمر يتطلب خطوات جريئة، وعبارة (سنضرب بيد من حديد) يجب ان تـُفعـَّل وتطبق بشكل جدي لامجرد تهديد ووعيد، كما هو معمول به منذ سنين، وعلى رئيس الوزراء استجماع قواه كلها وتسديد ضربات قاضية موجعة على رقاب المفسدين، وكفاه تلويحا بقفاز الحرير الذي سبق أن مسد به على أكتافهم دون جدوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.