كم فنحاس إسلامي في العراق اليوم ..؟- زكي رضا

لم تقتصر أسواق النخاسة والرقيق عبر التأريخ على دولة دون غيرها، أو شعب دون غيره. بل إمتدّت نتيجة الحروب لتشمل كل الدول والإمبراطوريات التي دخلت الحروب ضد بعضها البعض، وليعرض أسرى تلك الحروب من رجال ونساء وأطفال للبيع في أسواق النخاسة والرقيق. فالإغريق والرومان كانت لديهما أسواق نخاسة ورقيق، وقبلهما كانت هناك أسواق في الدولة الآشورية وغيرها من الحضارات القديمة. وبشكل عام فأسواق الرق والرقيق تمتدان الى عمق التأريخ الإنساني، وخصوصا الى تلك المرحلة التي تحول فيها الإنسان من مرحلة الصيد الى مرحلة الزراعة.

لم يخلو العالم الإسلامي من أسواق النخاسة والرقيق، فكانت هنا ك سوق “دكّة العبيد” في الحجاز قديما وأسواق “تونس” و “باب زويلة” بمصر. أمّا ببغداد العبّاسيّة فكان هناك سوقي “شارع باب الرقيق” و ” درب النخّاسين”، واللذان كانا يلبّيان طلبات علية القوم من الجواري وخصوصا ما يطلق عليهنّ العرب بجواري بني الأصفر أي الشقراوات. ومن أشهر تجار الرقيق ببغداد وقتها “أبا عمير وأبو الخطّاب النخّاس وحرب بن عمرو الثقفي”(1) وقد تناول الكاتب “جرجي زيدان” في روايته “العبّاسة أخت الرشيد” أخبار تجار الرقيق في “شارع باب الرقيق” ببغداد بشكل أدبي متناولا هذه التجارة من خلال نخّاس فيها أسماه “فنحاس”.

على الرغم من أنّ الإسلام لم ينتج نظام الرق كونه سبق الإسلام بل والأديان بمئات القرون، إلّا أنّ الإسلام أباح ولليوم تجارة الرق شرعيا والتي منعتها البلدان الإسلاميّة قانونيا في دساتيرها على الرغم من أنها “دساتيرها” تعتبر الإسلام مصدر أساس للتشريع ، لكي لاتكون بعيدة عن المثل والقيم الأخلاقيّة التي تنظر الى هذه التجارة كونها من أشد أشكال التجارة قذارة. فها هو معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل ناسا دخلوا عليه عن مهنتهم فأجابوه من أنهم تجار رقيق، يقول “بئس التجارة، ضمان نفس، ومؤونة ضرس”(2)

على الرغم من شيوع ظاهرة الرقيق في الدولة البيزنطية كما الأمويين والعباسيين وغيرهم من الدول والدويلات الإسلاميّة، الا أن المملكة البيزنطية ” كانت تحرّم على من ليس نصرانيّا أن يتملك رقيقا نصرانيّا، ولكن المسلمين أباحوا لليهود والنصارى أن يتملكوا الأرّقاء ولو كانوا مسلمين”(3) . كما كان اليهود والمسيحيين كما المسلمين يبيحون إمتلاك الرقيق ولكنّ ” التسرّي بهنّ لم يكن نظاما مشروعا عند اليهود والنصارى، وإن إرتكبه بعضهم فهو خروج عن القانون” (4)

كان من الضروري تقديم هذه المقدمة ونحن نريد تناول “سوق المتعة” ببغداد الإسلام اليوم، هذه السوق التي تديرها عصابات ومافيات لاتستطيع العمل دون ظهير قوي في السلطة، كما وأنها لاتستطيع العمل لو كانت لدينا في العراق دولة مؤسسات حقيقية. لكن هذه السوق وغيرها كأسواق المخدرات والبضائع والأدوية الفاسدة تجد اليوم في عهد إنحطاط العراق لها رواجا كبيرا، وإن تحمّل الضمير العراقي ” إن كان لدينا بقايا ضمير” عدم جودة البضائع وإنعدام الخدمات وفساد الأدوية وإنتشار المخدّرات بين تلاميذ المدارس الإبتدائية، فكيف يتحمل بيع بناته في سوق المتعة ليكونن أسارى عمليات جنسية لا تنتهي، كونهنّ ينتقلن من شقة لأخرى ومن دار دعارة لأخرى!!

في العراق لا شيء مستغرب بالمرّة، إلا أنني إستغربت لإستغراب النائب عن كتلة الفتح الموالية لطهران السيد “محمد كريم عبدالحسن”، وهو يبدي إستغرابه “بعد الكشف عن عصابات متنفذة تعمل على بيع الفتيات عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي”!! ولم يكتف النائب بإستغرابه بل أضاف إليه أسفه ليقول “من المؤسف أن نجد في العراق سوق النخاسة الذي لا يقل خطورة عن أفعال داعش وسبيه للنساء”!! ليقول مضيفا أن هذا الأمر لا يمكن السكوت عنه وليؤكّد على أنّ مجلس النواب “ستكون له مواقف جادّة وحازمة إزاء بيع الفتيات العراقيات”!!

البرلمان لن يتخّذ أي موقفا وإن غير جاد لحل هذه المشكلة، كما لم يستطع لليوم من وضع حلول جادّة للمشاكل التي تتناسل كل يوم في العراق المبتلى بحكمكم الإسلامي أيّها السيّد النائب. وإن أتّخذ قرارا جادا حيال مشكلة أو أمر ما في ساعة صحوة ضمير عندكم، فأن تنفيذ ذلك القرار سيكون مرهونا بوجود سلطة تنفيذية قادرة على تنفيذ ذلك القرار. وبوجود نظام المحاصصة وإستشراء الفساد وسطوة الميليشيات، وبوجود خطاب ديني وطائفي يعملان على تدمير النسيج الوطني، وبوجود سطوة لرجال الدين والعشائر، فأنّ تنفيذ أي قرارات خصوصا تلك التي تتعلق بإثراء غير مشروع ومنه “سوق المتعة” وتجارة المخدرات كمثالين من عشرات بل مئات الأمثلة يعتبر وهما لا يجيده الا من يبيع الوهم أي أنتم ورجال دينكم.

القضاء على أسواق الدعارة والمخدرات وتجارة الأعضاء البشريّة وبقية أشكال التجارة القذرة، أكبر من إمكانيتكم أيها الإسلاميّون. لأنّكم لا تمتلكون الإرادة السياسيّة لكي تبدأوا المشوار الطويل للقضاء على هذه الأسواق من خلال إعادة بناء المجتمع والدولة على أسس غير التي بنيت عليها لليوم من جهة، وكونكم تنفذّون أجندة بعيدة عن مصالح ” وطنكم” من جهة ثانيّة، ومن أنّكم لستم برجال دولة مطلقا من جهة ثالثة.

العصابات التي تتاجر بنسائنا وبناتنا، أو تلك التي تتاجر بأعضاء أطفالنا، وتلك التي تتاجر بالمخدرات والتي يقول عنها النائب ” عبد الحسن” من أنها دولية، لها حماية وأدوات تنفيذ داخلية والسيد النائب يعرفها جيدا. إذ من غير المعقول أن يعرف المواطن البسيط من أنّ المخدرات تأتينا من إيران، ولا يعرف السيد النائب ذلك. لكن السؤال هو، هل يستطيع السيد النائب التصريح بذلك علنا؟

السيد النائب، إننا اليوم ونحن نعيش جحيمكم الإسلامي، فقدنا وطننا وثرواتنا ومياهنا وإرادتنا السياسية وإحترامنا وكرامتنا وهيبتنا كبلد. لقد فقدنا تحت سلطة ميليشياتكم الوقحة أخلاقنا، فها هي أعراضنا تعرض للبيع في أسواق الرقيق، لقد فقدنا عهد عهركم الإسلامي عقولنا التي خدرّتها عمائمكم وأجسادنا التي هدّتها المخدّرات القادمة من دولة ولي فقيهكم. السيد النائب، لو كانت الرجولة هي الفروقات الجسدية بين الجنسين، لكنتم كأسلاميين رجالا. لكن الرجولة سلوك ومواقف لا تمتلكونهما. وقالت العرب وهم يصفون السلوك والمواقف الشجاعة للإنسان من أنّه سلوك رجولي، وإن تحدّثوا عن إمرأة ذات سلوك ومواقف شجاعة قالوا عنها “أخت الرجال”. فهل ما حدث بالعراق منذ أن وصلتم للسلطة الى ساعتنا هذه، تشير ولو من بعيد عن رجولة تمتلكونها؟ السيد النائب، من يحلل تفخيذ الرضيعة ، يضع البذرة الأولى للدعارة في المجتمع. السيد النائب، لو عدنا الى رواية جرجي زيدان وسوق الجواري فيها، فمن حقنا سؤالكم عن أعداد “فنحاس” بينكم أيها الإسلاميون.

هلمّوا هلمّوا هواة الجمال .. فساستنا اليوم أشباه رجال

(1) ضحى الاسلام لأحمد أمين الجزء الاول ص 87
(2) الإغاني لأبي فرج الاصفهاني ج.20 ص 27
(3) ضحى الاسلام لأحمد أمين الجزء الاول ص 86
(4) المصدر السابق ص 85 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.