كوريا الجنوبية مهووسة بتحصيل العلم

 ترجمة عبدالاله مجيد
بلغ الهوس الكوري الجنوبي بتحصيل العلم مستوى جعل من مهنة التعليم الطريق الأسهل لولوج نادي الأثرياء. فمن الكوريين الجنوبيين من يتركون عائلاتهم ويهاجرون إلى أميركا طلبًا للعلم.

من الصعب المبالغة في الاهتمام الذي توليه كوريا الجنوبية بالتعليم، إذ تتسابق العائلة لتسجيل طفلها في دار حضانة لائقة، كي يتمكن من الانتقال إلى مدرسة ابتدائية ذات مستوى رفيع، ومنها إلى مدرسة متوسطة ومدرسة ثانوية لا تقلان عنها مستوى لإيصاله في النهاية إلى جامعة مرموقة. وهذه بالطبع ستضمن له وظيفة مناسبة وشريك الحياة المنشود، زوجًا أو زوجة.

سعيا لجامعة راقية
ومن الشائع في كوريا الجنوبية أن تقتحم أم قاعة الدرس للمطالبة بمقعد في الصف الأمامي لطفلها أو أن تدخل في نزاع مع ادارة المدرسة بشأن العلامات التي حصل عليها.
وينفرط عقد الكثير من العائلات بانتقال افراد منها إلى نصف الكرة الأرضية، وبقاء أفراد في النصف الآخر من أجل الحصول على التعليم. وكثيرًا ما تعيش الأم وأطفالها في الولايات المتحدة أو بلد آخر ناطق بالانكليزية، لتأمين قبولهم في جامعة راقية فيما يواصل الأب عمله في كوريا الجنوبية ويطير للزيارة كلما أمكنه ذلك.
وبلغ هوس كوريا الجنوبية بالتعليم حدًا أصبح معه من السهل على المعلم أن يصبح مليونيرًا يضاهي بثروته وشهرته نجوم الموسيقى والسينما. وأسطع مثال على ذلك تشا كيل يونغ، الذي مَنْ يرى مظهره يظنه ممثلًا أو فنانًا لكنه في الواقع معلم يدرِّس مادة الرياضيات.
دخل خيالي
لكن تشا لا يزاول مهنة التعليم في المدرسة بل على الانترنت، حيث فتح مدرسة تركز على إعداد الطلاب لامتحانات القبول في الجامعة بموضوع الرياضيات. وكشف تشا لصحيفة واشنطن بوست أن دخله من التعليم بلغ العام الماضي 8 ملايين دولار.
وتتعلم الغالبية الساحقة من المراهقين الكوريين الجنوبيين بدوام مزدوج. فهم يحضرون الدروس الاعتيادية نهارًا في المدرسة، ثم يواصلون تعليمهم في مدارس على الانترنت كتلك التي فتحها تشا بعد ساعات الدوام في المدرسة التقليدية.
وأخذت المدارس الالكترونية الخاصة تحل بصورة متزايدة محل المدارس التقليدية، حيث يتعلم الطلاب في صف له اربعة جدران وسبورة. واصبحت المدارس التي تعمل على الانترنت صناعة حجمها 20 مليار دولار.
ليسوا سعداء في المدرسة
ويرى خبراء أن هذا الاقبال على الدراسة، وهذا التفاني من أجل تعليم جيد، أسهما في ارتقاء كوريا الجنوبية إلى مصاف الدول الأكثر تطورًا في العالم بالرياضيات والعلوم والآداب، رغم أن أحدث تصنيف نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أظهر ايضًا أن الطلاب الكوريين جاؤوا بالمركز الأخير لدى سؤالهم إن كانوا سعداء في المدرسة.
كما تتميز كوريا الجنوبية بأعلى معدلات الانتحار بين البلدان المتطورة في ما يقول كثيرون انها ظاهرة ترتبط بالضغط النفسي الناجم عن التركيز على التعليم.
وبدأ سياسيون وتربويون يتساءلون عما إذا كان هوس كوريا الجنوبية بالتعليم خرج عن نطاق السيطرة. لكن حتى الآباء الذين يعارضون هذا النظام الصارم يجدون صعوبة في الافلات منه، إذ يشكو اطفالهم من أنهم لن يستطيعوا مواكبة أقرانهم وضمان القبول في جامعة مرموقة، من دون التسجيل في إحدى مدارس الانترنت.
وهذه أنباء سارة للمعلم تشا الذي بدأ اعطاء دروس بالرياضيات على الانترنت لتسديد رسوم دراسته، لنيل شهادة الدكتوراه.
نتائج مختلفة
يتلقى نحو 300 الف طالب دروس تشا في أي وقت على الانترنت، مقابل 39 دولارًا عن دورة من المحاضرات موزعة على 20 ساعة، في حين أن رسوم الدورة نفسها تصل إلى 600 دولار في المدارس التقليدية.
وحين سُئل تشا عما يميزه عن المعلمين الآخرين، اجاب: “إذا أعطيت المواد نفسها إلى 100 طاهٍ، فانهم سيعدون بها 100 أكلة مختلفة، والأمر نفسه يصح على الرياضيات، فهي كلها رياضيات وكلها باللغة الكورية، لكن من الممكن الخروج منها بنتائج مختلفة”.
واضاف تشا لصحيفة واشنطن بوست: “العملية لا تُختزل بتدريس موضوع ما، بل يتعين على المعلم أن يكون فنانًا ترفيهيًا متعدد المواهب”.
كوون كيو معلم آخر حقق نجوميته من خلال تدريس الأدب على الانترنت، واصبح عضوًا في نادي المشاهير، فيما أُطلق أسمه على كرسي أكاديمي لتطوير التعليم. لكن كوون رفض أن يكشف حجم دخله من التدريس مكتفيًا بالقول إنه يكسب ملايين الدولارات في السنة.
حفظ وتلقين
وقال كوون إن من منافع التعليم الخاص تنافس المعلمين مع بعضهم البعض ومحاولتهم تطوير محتوى أعلى نوعية. واضاف: “نستطيع أن نستثمر في أساليب لا يستطيع معلمو المدارس التقليدية الاستثمار فيها”.
لكنّ أصواتًا بدأت ترتفع من خبراء داعين كوريا الجنوبية إلى انتهاج سياسة تعليمية مغايرة. ومن هؤلاء وزير التربية حتى العام الماضي لي جو هو الذي يقول: “كل الدرس حتى ساعة متأخرة من الليل يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في رفع مهارات الطلاب الأخرى مثل الشخصية والابداع والتفكير النقدي”، متهمًا مدارس الانترنت بالاعتماد على أساليب التلقين والحفظ.
وقال لي، الذي يعمل استاذًا في كلية السياسة والادارة العامة التابعة لمعهد التنمية الكوري، إن كل المشاكل نابعة من شروط القبول في الجامعات التي لا تنظر أبعد من علامات الطالب لأخذ معايير أخرى في الاعتبار مثل النشاطات غير الصفية والكتابات الشخصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.