كولان .. ثورة الذين لم يبدلوا تبديلا- صبحي ساله يي

جراء مؤامرة جزائر (1975) التي أعدت مشاهدها بإتقان وغفا تجاهها الضمير الانساني، لحق بالكورد الكثير من الأذى والكوارث الرهيبة، وحل بهم من الأم ما لم يكن في البال إنتقاماً من ثورتهم الأيلولية العارمة، ومحاولةً لزرع الاحباط واليأس في قلوبهم، ولمنعهم من لملمة الصف والكلمة وإستعادة قوتهم الطبيعية في الساحة النضالية.

بعد المؤامرة، هدأت البنادق والمدافع لأشهر معدودات، وتغيرت الحقائق على الأرض، وإعتقد الساذجون أن البعث ربح المعركة والحرب، وأن القضية الكوردستانية انتهت إلى غير رجعة. وإستأسد الثعلب وتغول، وتعامل مع متغيرات الأحداث بطريقة ساذجة وسطحية، ومارس الترهيب والتعريب عبر توطين العرب في بعض المناطق لتغيير التركيبية السكانية، خاصة في مدينة كركوك وأطرافها. وتعامل بصلافة، ووقع في المحظور، وإرتكب المجازر.

هدأت البنادق والمدافع، لكن إيمان الذين لم يبدلوا تبديلا لم تهدأ وظلت شاخصة ضاغطة تأبى المغادرة، وحاولت تحويل النكبة والنكسة الى إنتصار لإكمال المسيرة التحررية لشعب كوردستان.

وبعد مضي سنة عاجفة من المعاناة، ذهبت الخيبة وحضرت الإرادة وإستيقظت الحفيظة، وساد الشعور بأن ثورة الكورد ليست اختياراً بل هي قدرهم الذي لا فكاك منه في سبيل الدفاع عن وجودهم. وبدافع من الرغبة في التفاعل بإيجابية مع الأحداث، والإنطلاق من المشتركات، وبوتيرة متجانسة بدأت الحياة تدب في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي نجح في إعادة توحيد الصف، وفي التحكم بجوهر وصياغة الآراء والتوجهات، وفي تنميتها وتقويتها وتحويلها إلى معطيات مثمرة متكاملة الأبعاد. ودون إثارة أو ضجيج أعاد الحزب برئاسة الرئيس مسعود بارزاني ترتيب الملفات والاوراق، وإستعد لسيناريوهات جديدة، وحمل السلاح مرة أخرى، مضطراً، في وجه حكومة قوية غنية مدعومة اقليمياً ودولياً. وإنطلقت ثورة كولان في 26/ آيارم 1976، وتمتعت بخصوصية جعلتها مختلفة عما سجله التاريخ من ثورات، من حيث الدوافع والترتيبات والحسابات، ومن حيث ما نتج عنها من تغييرات سياسية وعسكرية هائلة، وما دفع فيها من الأثمان الباهضة من أجل الحرية.

وبعيدا عن حالات الإنفعال والضوضاء إستطاع، الحزب الذي قاد ثورتي أيلول وكولان وإنتفاضة آذار، وساهم في بفاعلية في إسقاط البعث، إستطاع إستقطاب الرأي العام الكوردستاني والعراقي والإقليمي والدولي. وبعد إنتصار إنتفاضة آذار 1991، والتغيير الجوهري والأساسي في حياة شعب كوردستان، وإنتخاب برلمان كوردستان، وتشكيل حكومة الإقليم، رفع الرئيس مسعود بارزاني، المجبول على الصدق والصراحة وقول الحق والحقيقة، شعار الديمقراطية للعراق والفدرالية لكوردستان، وبمهنية محترفة أمام المجتمع الإقليمي الدولي أثبت أن الكورد شعب يستحق التقدير والثناء والبقاء، وجدير بحق تقرير مصيره. وتحمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني جميع المسؤوليات بخطط وأفكار وتوجهات تتميز بالعقلانية والهدوء، وتحرك ضمن الواقع لصنع المستقبل. وفي أحايين كثيرة، دفع تكاليف باهضة لحسن نواياه وصبره وضبط نفس أعضائه ومؤيديه في سبيل التوصل الى إتفاقات تحقق العدالة، وتضمن الحفاظ على المكتسبات المتحققة بأنهار من الدماء والدموع، خاصة مع الأطراف المختطفة للقانون والمستغلة للعواطف والحاجات والطاقات، والباحثة عن الفرص لرفع سقف مطالبها، والمشوهة للحقائق، والهشة في مواقفها، والمستغلة للمواقف الوطنية والقومية، والمتصنعة للحرص المخادع على التحلي بالرؤية الحكيمة. مع ذلك فإن المفارقة العجيبة تجاه هذا الحزب، هي : إنه يزداد قوةً وتماسكاً وإلتفاف الجماهير حوله كلما تعرض لمؤامرة أو خيانة أو طعنة في الظهر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.