لتكن تظاهرة البصرة السلمية نموذجاً يحتذى به- عبدالخالق حسين

بعد أن نشرتُ مقالين عن التظاهرات الاحتجاجية التي اجتاحت العراق منذ 1/10/2019، ومعارضتي لاستخدام العنف فيها بسبب اختراقها من قبل المندسين المخربين من مختلف الجهات المعادية التي لا تريد الاستقرار للعراق، اتهمني البعض بأني ضد التظاهرات، سواءً كانت سلمية، أو غير سلمية، وأني أدافع عن الحكومة الفاسدة، وأن كل المتظاهرين هم بعثيون أو مخربون، وبذلك فإني أعطي البعثيين قيمة وشعبية لا يستحقونها!!

أود أن أؤكد مرة أخرى أني لست ضد المظاهرات السلمية، فهي حق مشروع كفله الدستور العراقي، ودليل على حيوية أبناء الشعب، خاصة جيل الشباب الجديد الذي لم يتلوث بالأيديولوجيات الفاشية، بعثية كانت أم طائفية، وإدراكهم لحقوقهم وشجاعتهم، وتحديهم للسلطات الفاسدة التي ظلمتهم. ولكني ضد استخدام العنف بمختلف اشكاله، كاستخدام السلاح، وحرق ممتلكات الدولة، ومن أي طرف كان. وأنا واثق أن المتظاهرين الحقيقيين الذين ثاروا على الظلم هم حريصون كل الحرص على ممتلكات الدولة، والتي هي ممتلكات الشعب، لذلك لا يمكن أن يصدر منهم أي تخريب. وبما إن التخريب قد حصل في بعض الحالات والمناطق، فهذا يعني ان هناك اختراقات قامت بإشعال الحرائق، وبالتالي تشويه سمعة المتظاهرين الحقيقيين الذين هم أبرياء من هذه الأفعال التخريبية. فالمعروف أن الظلم وحده لا يكفي لتثوير الإنسان، بل الوعي بالظلم هو الذي يجعله ينفجر على الظالم. وقد أثبت الشباب أنهم واعون بالظلم ويدركون حقوقهم، ولن يتنازلوا عنها، وهذه علامة جيدة تبشر بالخير، وتجعلنا متفائلين بالمستقبل.

وما حفزني على كتابة هذا المقال هو مشاهدتي لفيديو يعرض تظاهرات جماهيرية في مدينة البصرة الحبيبة، جدير بالمشاهدة واستخلاص الدروس والعبر، والتعلم منها. “تظاهرات نسوية لدعم الرجال في التظاهرات السلمية، والمطالبة بحقوق أهل البصرة التي سرقها السياسيون، والحكومة المركزية والمحلية لم تنفذ أي من مطالبهم”. (رابط الفيديو في الهامش)(1)

نشاهد في هذا الفيديو (17 دقيقة)، تظاهرة نسوية تشارك فيها ألوف النساء ومعهن رجال من مختلف الأعمار وخاصة الشباب، وهن يرددن هتافات مشروعة، والكل يحرص على الالتزام بحفظ النظام. ومن الهتافات: (كلا كلا للأحزاب)، (كلا كلا للفاسد)، (البصرة أجمل بدون أحزابكم)، (البصرة حرة حرة)، (نفط البصرة للبصرة)…الخ. وليعذرني المتظاهرون البصريون، (وأنا ابن البصرة الفيحاء)، أني لا أتفق مع الهتاف الأخير (نفط البصرة للبصرة)، فالبصرة جزء من العراق العظيم وثغره الباسم، والأفضل أن نردد (نفط العراق للعراق)، وفي نفس الوقت التأكيد على حاجة المحافظة إلى دعم مالي إضافي في الميزانية، وذلك لما نالها من إهمال متعمد في جميع العهود، و دمار شامل خلال الحروب البعثية العبثية، أكثر من أي منطقة أخرى في العراق.

كذلك نشاهد في الفيديو، سيدات وشباب يتحدثون للإعلام فيقدمون مبررات خروجهم بهذه التظاهرة، ويطرحون مطالبهم بمنتهى الشجاعة والطلاقة والبلاغة والوضوح، وبإنسيابية وعفوية مثيرة للإعجاب والتقدير.

نشاهد أيضاً شباباً يشاركون في هذه المسيرة الجميلة التي تستحق كل الفخر والاعتزاز بها لتنظيمها الدقيق، وتجنبها للعنف، أو أية كلمة نابية مثيرة للاستفزاز. هؤلاء الشباب أغلبهم في العشرينات من أعمارهم يرددون أهزيجهم، وينبري من بينهم شاب يقدم أغنية حزينة عن معاناة الشعب يفجر الدموع من مآقي الحضور المشاركين في هذه المسيرة السلمية بحق.

نحن مع هذا النوع من التظاهرات السلمية الحضارية التي تكسب عطف واحترام ودعم الجميع لتحقيق مطالبها المشروعة، ودون إلحاق الأذى بالمشاركين فيها، أو برجال الأمن الذين من واجبهم حماية أمن وسلامة المواطنين وممتلكاتهم، بما فيها ممتلكات الدولة التي هي ممتلكات المتظاهرين أنفسهم. لذلك فهذه المسيرة البصراوية السلمية تقدم نموذجاً رائعاً يجب أن يحتذى به للتظاهرات الاحتجاجية السلمية الحضارية في جميع أنحاء العراق، والتي لم تتلوث بوساخة البعثيين الذين إذا ما اندسوا فيها أفسدوها وجعلوا المشاركين فيها عرضة للقتل والإصابة.

بالتأكيد لا يمكن اتهام هؤلاء الشباب بالانتماء البعثي، أو كونهم مدفوعين من قبل جهات أجنبية تريد الشر بهم، فهذا تزكية لقوة وشعبية تلك الجهات الفاقدين لها، فالشباب المتظاهرون هم جيل جديد لم يتربى على يد النظام البعثي، بل نشأ في ظروف الحرية والديمقراطية والعولمة والإنترنت والهاتف النقال، والثورة المعلوماتية والفضائيات وغيرها من وسائل الاتصالات التي جعلت عالمنا قرية كونية صغيرة. لذلك يمتاز كل فرد من هذا الجيل بشعوره بقيمته المطلقة، واستقلاليته واحترامه لذاته، وحقوقه الإنسانية وانتمائه الإنساني الكوني أكثر من انتمائه القومي أو الديني أو الطائفي المحلي. ولكن هذا لا يمنع اندساس البعثيين أو غيرهم لإشعال الحرائق واستفزاز رجال الأمن، وبالتالي حصول صدامات دموية ومآسي، كما حصل في الأيام القليلة الماضية. فهؤلاء المندسون يعملون على تشويه صورة هذه التظاهرات السلمية واختطافها، وتسخيرها لأغراضهم لذلك من حقنا، بل ومن واجبنا أن نحذر شبابنا من مخاطرهم.

أقول هذا، لأني من جيل 14 تموز أعرف ماذا يعني البعث، ولأن الاستهانة بقدراته تقود إلى التهلكة. فكما ذكرت في مقالي السابق، البعث عبارة عن بندقية للإيجار لما عُرِف عنه من العنف بمنتهى التوحش ضد معارضيه، لذلك اعتمدتْ عليه المخابرات الأجنبية لتدمير بلدهم في مختلف العهود والمناسبات كلما بدت فيها بشائر الاستقرار منذ ثورة 14 تموز المجيدة، وإلى اليوم، لأنهم لا يريدون عراقاً مستقراً معافى. وما يؤكد مخاوفنا وعدم انتهاء البعث كأداة للتخريب، هو بيانهم السيئ الصيت الذي أذاعه أحد الدايناصورات البعثية المدعو أحمد الحلو، رجل الأمن البعثي في عهد صدام، وبيان آخر نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية.

كذلك تأييد رغد صدام حسين التي دعمت التظاهرات في تصريح لها لصحيفة القدس العربي، قائلة: “معكم كل العراق أيها الأبطال الصناديد، رحم الله شهدائنا، ها أنتم تسطرون ملاحم البطولة كما عهدناكم”، مضيفة: “أنتم نسل أبطال القادسية أهل العراق شيعة وسنة وأكراد في الناصرية، الكوت، العمارة، البصرة، وديالى، وبغداد وكل ضواحيها، وكل العراق بإذن الله”.(2). فهل حقاً رغد صدام حسين تريد مصلحة المتظاهرين؟ وماذا كان والدها سيفعل بأية تظاهرة احتجاجية في زمانه؟

كذلك، يجب أن لا ننسى أن الدول المتصارعة على النفوذ في المنطقة، مثل أمريكا وإيران، والسعودية وغيرها من الدول الخليجية، تريد نقل صراعها في العراق وتبقيه ضعيفاً ممزقاً، فتحاول الاستفادة من هذه التظاهرات واختراقها، وتوجيهها لمصلحتها والمتظاهرون لا يعرفون. وفي هذا الخصوص كشف الخبير الامني والمدير الأسبق للاستخبارات العراقية الفريق اول وفيق السامرائي عما وصفه بـ(مؤامرة أخطر كثيرا من داعش) لا يعلم بها المتظاهرون الشباب الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم التي هدرها الفاسدون، مؤكدا علم السلطات الحكومية المسبق بها ونجاحها في احباطها…. كانت في الخطوط مؤامرة أخطر كثيرا من حرب داعش لأنها تستهدف اقامة حرب شيعية شيعية، ثم تتحول إلى حرب شاملة لإعادة العراق للمربع الاول وتقسيمه، مبينا ان أطراف معينة بالخارج حاولوا الاتصال بشخصيات قيادية لمحاولة كسبها لكنهم فشلوا، لأن أجهزة الأمن كانت لديهم تصورات جيدة عن الوضع، وكانت التحركات مرصودة.) انتهى.

ومن جهة أخرى، نسمع أن الذين يطلقون النار على المتظاهرين هم “من طرف ثالث”، من جهات غير معروفة و غامضة، وبدون أوامر من وزارة الداخلية، قناصة يرمون الرصاص الحي على المتظاهرين وعلى الشرطة على حد سواء وبقسوة في الرأس والصدر. وهناك من يوجه اصبع الاتهام إلى مليشيا باسم (سرايا الخراساني)، الموالية لإيران، تعمل على إقامة نظام حكم ولاية الفقيه في العراق على غرار النظام الإسلامي في إيران. لذلك من واجب الأجهزة الأمنية إلقاء القبض على هؤلاء القناصة لحماية المتظاهرين، سواء من المندسين المخربين من أيتام البعث، أو من سرايا الخراساني، وتقديمهم للمحاكم لينالوا جزاءهم العادل. فالدم العراقي خط أحمر، وكفى دماءً ودموعاً وقتلاً وتشريداً.

نعم، السلطات الحالية مليئة بالعناصر الفاسدة الذين أهملوا واجبهم، وسرقوا أموال الشعب، وحرموا الشباب، وغير الشباب، من حقوقهم، وتحولوا من مظلومين في عهد حكم البعث الجائر، إلى ظالمين وفاسدين في العراق الجديد، لذلك يتحملون مسؤولية تردي الأوضاع، فـ(الشعب يمهل ولا يهمل).
لقد أكد الحكام الفاسدون ما قاله المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلة لا يظلمُ
وحكمة أخرى تفيد: “إذا تريد أن تكشف حقيقة الإنسان امنحه سلطة أو مال”. وهذا بالضبط ما نراه في العراق الجديد، حيث بلغ السيل الزبي، وطفح الكيل، وجاء وقت الحساب والقصاص، ومن حق جيل الشباب من الجنسين عدم الخنوع للذل والظلم والحرمان، بل الثورة على الفاسدين والمفسدين. إذ كما قال أبو ذر الغفاري: (عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه).

المجد والخلود لشهداء الوطن، والشفاء العاجل للمصابين، والخزي والعار للفاسدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.