لست مسلما .. لماذا؟ 1/3 – ضياء الشكرجي

موضوع أدرجته في كتابي الرابع من مجموعة «كتب لاهوت التنزيه»، والتي أنجزت منها لحد هذه الساعة أربعة، صدر منها الأول في تموز 2015 من منشورات الجمل بيروت بعنوان «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، ويتبعها كل من «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، الذي يصدر قريبا، ثم «مع القرآن في حوارات متسائلة»، و«الدين أمام إشكالات العقل»، الذي أدرجت في آخره الموضوع الذي أنشره هنا بثلاث حلقات.
مع العلم إن اكتمال أشواط تطور فكري اللاهوتي، واعتمادي للاهوت التنزيه (الإيمان العقلي اللاديني)، قد تم بشكل حاسم في أواخر تشرين الثاني من عام 2007، والذي سبقه كمرحلة بينية اعتمادي للمذهب الظني من بداية تموز من نفس العام، بعد عشر سنوات من اعتمادي لمنهج تأصيل مرجعية العقل منذ عام 1997، والذي جاء بعد أكثر من عشرين سنة من تحولي من الإلحاد إلى الإيمان والالتزام بالإسلام في شباط 1977.
والذي يدعوني للإفصاح التام مجموعة أمور:
1. عشقي للحرية وانتصاري لها، ليس فقط لحريتي الشخصية، بل لحرية كل سجين.
2. عدم حبي للتخفي، وهذا ما عبرت عنه بمقطوعتي «لا أحب المشي في الأنفاق» المنشورة في «عصفورة حريتي» الصادر في 2012، وإيماني بحق التعبير والإفصاح.
3. عملا بالعدالة التي ألزم القرآن المسلمين بها بقول «لا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلوا؛ اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوى»، ففي الوقت الذي يعبر المسلمون خمس مرات – والشيعة منهم ثلاث مرات – مؤذنين بـ «أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله»، وها أنا أؤذن بعقيدتي شاهدا بما أشهد به، عبر مقالات، لا عبر المآذن ومكبرات الصوت. والآن عبر ما نشرته في كتابي المذكور.
4. توفيرا لمن يريد أن يبحث عما يكفرني به، فها أنا أفصح بما يعتبره بمعايير دينه كفرا، فلا حاجة للتأويل، وبذل الجهد في البحث ما بين السطور، لأن سطوري تنطق بما يستغنى به عن البحث فيما بينها، وهذا الكفر عندي هو ذروة الإيمان.
«لست مسلما» ومقالات أخرى
«لست مسلما» مشروع مقالة [كانت] مرجأة النشر، كتبتها في حزيران/تموز 2012، ثم أرسلتها إلى بعض الأصدقاء، فكان هناك رد من الصديق الأستاذ هاشم مطر، أجبته بمناقشتي لما ورد في رده من ملاحظات. رأيت إدراج مشروع المقالة آنئذ، والرسالتين بيني وبين الصديق هاشم مطر. عندما كتبت المقالة أو الأفكار الأولى كمشروع مقالة مؤجل نشرها حينئذ، كتبت أني أفكر أن أنشرها يوم أرى قد حان وقتها، لا أدري أبعد سنة، أم عشر سنوات، أم أقل أو أكثر، ما لم يأخذني ربي إلى رحاب رحمته قبل ذلك. والمقالة [كانت] غير مكتملة، بل ما مدون [آنئذ كان] مشروع مقالة، على أن تتكامل أفكارها مع الوقت بإذن الله وحسن توفيقه. 05/07/2012.
ثم رأيت أني قد كتبت من قبل شيئا مشابها تحت عنوان «أدلة الإسلام على جواز أو وجوب الكفر بالإسلام»، وكذلك تحت عنوان «أعلن ارتدادي». فرأيت اليوم في 18/03/2013 أن أوحد النصين في نص واحد، لكني بعد مراجعتهما رأيت أن أبقي عليهما كلاهما، وأقدم مقالة «أدلة الإسلام على وجوب الكفر به»، لتكون مقالة «لست مسلما» الخاتمة والخلاصة والزبدة، فهي المسك والعنبر، لذا فإني سأقدم بما في ذلك مناقشتها مع الصديق هاشم مطر على نفس المقالة.
أدلة الإسلام على جواز أو وجوب الكفر بالإسلام
أريد أن أختم كتابي بأن أسرد مجددا الأدلة من لدن الدين نفسه على جواز، أو وجوب الكفر بالدين، بحيث يُعَدّ الكافر الديني مؤمنا إلهيا، يثاب على كفره بحسب الدين، وذلك ليس بالأدلة العقلية التي أعتمدها، بل بأدلة دينية محضة [من الدين الإسلامي تحديدا].
المفردات التي أوردها هنا، جرى ذكرها في موضوع، أو أكثر من مواضيع الكتاب، لكن رأيت أن أوجزها هنا مرة ثانية.
لكل من الإيمان والكفر معان متعددة، بحسب السياقات، وبحسب الاستعمال والمستعمِل لهما. فهناك الإيمان والكفر النظريان، والإيمان والكفر العمليان. وهناك الإيمان والكفر الحقيقيان، والإيمان والكفر المجازيان. وهناك الإيمان والكفر الظاهريان، والإيمان والكفر الباطنيان. وهناك الإيمان والكفر المطلقان، والإيمان والكفر النسبيان، مع إنه ليس من مطلق في العالم النسبي للإنسان. وهناك الإيمان والكفر الفلسفيان، والإيمان والكفر الدينيان. كما إن هناك معانِيَ أخرى، كأن يأتي الكفر بمعنى إخفاء الحقيقة، أو عدم الشكر، أي نكران الجميل، أو نكران النعمة. والنكران إما يكون باللسان، وإما بالسلوك، أي إما بالتصريح بنكران الجميل، أو نكران النعمة، وإما النكران اللساني السلبي، أي بعدم الإقرار دون التصريح بالإنكار، أو يكون النكران برد الإحسان بالإساءة، أو عدم مقابلة الإحسان بالإحسان، وعدم مقابلة النعمة بالشكر العملي، أي بالطاعة.
لكني لا أعني هنا أيا من تلك المعاني، بل عندما أتكلم هنا عن الإيمان والكفر، لا أتناول إلا معنى واحدا لكل منهما، فالإيمان الذي أقصده هنا هو الاقتناع والتصديق والاعتقاد، وأعني بالكفر عدم الاقتناع وعدم التصديق وعدم الاعتقاد.
من جهة أخرى فإن ما يكون إيمانا عند من اقتنع وصدّق واعتقد، هو كفر عند من لم يقتنع ولم يصدِّق ولم يعتقد، والعكس بالعكس.
ثم حتى مع وحدة الحكم فيما يُعَدّ إيمانا، وما يعد كفرا، فبحكم قانون النسبية، يكون كل إيمان نسبيا، بمعنى شموله على نسبة من الكفر، كما يكون كل كفر نسبيا، بمعنى شموله على نسبة من الإيمان.
إني أدعي أن الإسلام نفسه، وهذا ما يمكن ان ينطبق على بقية الأديان، يجيز – بل ربما يوجب – الكفر به، أي بالإسلام نفسه، كما أي دين آخر به هو نفسه. ولا أعني جواز الكفر بالمعنى الدنيوي فقط، وهي الرؤية التي تستند على قراءة عقلية للدين، وتعضد قناعتها بنصوص من الدين، بأن للإنسان حرية أن يستجيب لـ(دعوة الحق) [حسب قناعة أتباعها]، أو لا يستجيب، ولا يحق لأصحاب الدعوة إكراهه على الاستجابة والإيمان، ولكنه سيلقى جزاء الكافرين في الآخرة، بدخول نار جهنم والخلود فيها [كما يعتقد أصحاب هذه الرؤية]. بل الذي أقصده هنا أن يكون كفره مقبولا من الله أخرويا، ولعله مستحقا للثواب، أو إلم نقل مقبولا ومثابا عليه، فيكون مرخصا معذورا عنه من الله. ولكن نفس هذا التجويز بالكفر من قبل الإسلام كما سنرى، يناقض الإسلام نفسه فيه، فيما نجد من وعيد بالعذاب يُتوعَّد به الكافرون [بمعنى عدم المؤمنين بالإسلام].
لنتناول أدلة الإسلام نفسه بجواز، بل بوجوب الكفر بالإسلام نفسه، والتي أذكرها بصورة عناوين، دون التفصيل، إذ أن تفصيلها قد ورد متناثرا بين طيات هذا الكتاب [والكتب الثلاثة التي قبله، وما سيأتي ربما بعده].
– مبدأ ألّا إكراه في الدين.
– عدّ الكفر بالطاغوت شرطا لاكتمال الإيمان بالله.
– عدم جواز اتخاذ الأنداد من دون الله آلهة، مما يشمل الدين والأنبياء والأولياء والأئمة والقديسين و… [ليس بالقول أو الاعتقاد النظري بألوهية أحد أو شيء مما ذكر، بل بالتسليم لأوامرهم ونواهيم على أنها أوامر ونواهي الله.]
– تخطيء وإدانة الذين وجدوا آباءهم على ما هم عليه من دين، فكانوا لهم متبعين، دون تبيّن وسؤال عن الأدلة.
– القاعدة الأصولية بكون (القطع حجة)، مما يجعل قطع النافي للدين بنفيه حجة له وليست عليه.
– قاعدة ألّا تقليد في الأصول (العقائد)، بل حصرا في الفروع (الأحكام).
– قاعدة ألّا تقليد لمن بلغ مرتبة الاجتهاد.
– قاعدة (ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال).
– الحديث النبوي الداعي بوجوب ترك ما يريب المرء إلى ما لا يريبه.
– القاعدة العقلية والقرآنية بكون الله (لا يظلم مثقال ذرة).
رسالة هاشم مطر وجوابي حول مشروع مقالة «لست مسلما»
رسالة هاشم مطر
الأستاذ الفاضل ضياء الشكرجي
تحية واحترام
لأنك اخترتني من بين أصدقائك فأرسلت لي مشروع مقالك، فمن واجبي الرد بشيء.
لاحظ إن الموضوع برمته يقع ضمن باب الحريات، وهو ما ضمنته أورپا والغرب بمعناه المجازي للجميع. إنما يحذونا الاحتراس بأصغر الأشياء، فما بالك بهذا القول المثير للجدل؟
فعندما نشر الرسام الدنماركي رسومه عن نبي المسلمين، لم يختلف بشأنه ملحد أو مؤمن مسيحي، يساري أو يميني، فقد وضع الأمر بهذه الخانة التي تضمن للجميع حرية التفكير، وليس التكفير، وهو أمر لن نفهمه مهما حصل.
هنا لا بد من السؤال: هل أنت مستعد للمواجهة الكبرى كما أدونيس مثلا؟ عند الإجابة بنعم، فعليك استكمال مشروعك. وعليك حينها أن تعد عدتك على أكمل وجه، بمعنى أن تكون لك ذخيرتك الحية وغير الحية، وتكون قد استعددت للمواجهة من باب واحد، هو إما أن يكون بأثر معرفي ديني، أو برؤية نقدية فلسفية مادية. أما أن تكون بين منزلتين، كما المعتزلة وواصل بن عطاء، فهذا يعقّد الأمر باعتقادي.
وبكل الأحوال يمكن تجربة طريقتك، بحيث ألا تصاب باليأس والحزن بعدها، وربما الأسف. أتفق معك أن الموضوع بحاجة إلى عناية أكبر، كي يظهر ببنية مكتملة يمكن العودة لها وقت الحاجة. أقول هذا مشجعا طريقة منهجية تقتضي البحث والتريث. ذلك كي تكون فائدتها عامة. أما هي الآن فهي تندرج في خانة ذاتية صرفة، لا أقول عنها هشة، إنما شاعرية حسية، وهذا يصعب الدفاع عنها كمنهج.
لاحظ إنك تستخدم كلمة «الله» بنفس المعنى القرآني، وهذ يضعف بحثك؛ يمكنك الاستعاضة عنه باسم الرب أو الخالق أو أي صفة أخرى، (يمكنك نحت كلمة جديدة). كذلك كلمة الكفر، والكافر، أرجو مراجعتها، فهي من ضمن كلمات التعويم، مثل الحرام والحلال.
أقدر قلقك حق تقدير. وأرجو لك الموفقية.
المخلص
هاشم مطر

http://www.nasmaa.org

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.