لست مسلما .. لماذا؟ 2/3- ضياء الشكرجي

ردي على رسالة هاشم مطر
الصديق العزيز الأستاذ هاشم مطر
تحية ومودة وتقدير.
إني شاكر لك اهتمامك بالرد. وسأحاول أن أجيب على ما ورد في ردك.
بلا شك إني لن أنشر هذه المقالة في وقت قريب. بل ربما لا أنشرها إلا بعد عقد من الزمن، إذا ما بقيت حتى ذلك الوقت في عالمنا المحسوس الذي نعيشه، ولم أنتقل إلى غيره، أو حتى إلى اللاشيء على فرض أنه لاشيء.
عن سؤالك ما إذا كنت مستعدا للمواجهة الكبرى، أجيب بالنفي، فيما يتعلق الأمر في الوقت الراهن، لكني ماض بهذا الاتجاه، ولا أدري متى ستكون ساعة الصفر لإطلاق المواجهة. ستبدأ بصدور كتابي «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل» [والذي تحول إلى أربعة كتب، الأول: «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، الثاني: «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، الثالث: «مع القرآن في حوارات متسائلة»، الرابع «الدين أمام إشكالات العقل»]. حاليا سأنتظر، ومن أسباب الانتظار، ربما كوني ناشطا في التيار الديمقراطي، ولا أريد أن أحرج التيار، كي لا تُوجَّه إليه سهام التكفير بسببي. ربما أبدأ بنشر الجزء الأول [إذ قررت تجزيئه ونشره بعدة أجزاء] أواسط أو أواخر عام 2014.
أما بخصوص قولك: «وتكون قد استعددت للمواجهة من باب واحد، هو إما أن يكون بأثر معرفي ديني، أو برؤية نقدية فلسفية مادية. أما أن تكون بين منزلتين، كما المعتزلة وواصل بن عطاء، فهذا يعقد الأمر باعتقادي.» اسمح لي أن أختلف معك قليلا من جهة، وأزيل من جهة أخرى بعض اللبس الحاصل لديك حسب تقديري. ابتداءً أختلف معك في ثنائية «الرؤية المعرفية الدينية»، و«الرؤية النقدية الفلسفية المادية». فهناك ثلاثة اتجاهات، «الرؤية الدينية»، «الرؤية الفلسفية»، «الرؤية المادية». أما افتراض وجود «رؤية فلسفية مادية»، فهذه رؤية ليس مكانها هنا حسب فهمي. إني لا أعوّل نهائيا على «الرؤية الدينية»، وإذا ظننت أني ما زلت أجعل اعتبارا للرؤية الدينية، من خلال استخدامي لمفردات هي من أدبيات هذه الرؤية، فهذا فيه لبس. فإن استخدامي لهذه المفردات الدينية يأتي على نحوين؛ على نحو إلزام الدينيين بمتبنياتهم من أجل إظهار ضعفها، وعلى نحو فلسفي، فيما تلتقي الرؤية الدينية، سيما الإسلامية القرآنية، أحيانا في بعض تفاصيلها مع الرؤية الفلسفية التي أعتمدها، وليس لأني أستعير الفهم الديني، فحتى الفلسفة التي تختلف معها تجد فيها ما يكّون مشتركات بينك وبينها. وهذه رؤى فلسفية اعتمدها عدد من فلاسفة اليونان قبل المسيحية بعدة قرون، وقبل الإسلام بأكثر من ذلك، ولم يكونوا يهودا، كما لم يكونوا يؤمنون بآلهة الإغريق. فليس كل ما جاء في الإسلام هو متعارض مع الفلسفة، من هنا تأتي المشتركات. كما إن الدينيين سيجدون لي مشتركات مع الملحدين، أو لنقل اللاإلهيين، كمصطلح أفضله، وهو يؤدي معنى المصطلح باللغات الأورپية “atheist”. ومع هذا فأنا لست دينيا، كما لست لاإلهيا. فإن منهجي يختلف اختلافا جوهريا مع منهج المعتزلة وغيرهم، الذين استغرقوا كثيرا في تأويلات معقدة للنصوص الدينية، ليخرجوا بمعنى ينسجم مع فلسفتهم أو اجتهادهم.
المقالة ليست بحثا، بل البحث سيكون في كتابي [أو كتبي] الذي [التي] أشرت إليه [إليها]، أما هذه المقالة موضع نقاشنا فهي كما يعبر المسلمون عميلية «إشهار»، الذي يؤدونه بالتلفظ بالشهادتين، عندما يتحول إنسان ما إلى الإسلام، وهكذا بالنسبة لي، أريد أن أشهر لادينيتي ولامسلميتي عبر هذه المقالة. صحيح إن هذا يمكن استنتاجه من مجموعة أفكاري، لكني أريد أن أقولها بشكل واضح لا لبس فيه، أن أُشهِر عقيدتي.
أما نقدك لاستخدامي كلمة «الله»، فسأحاول أن أوضح الأمر. أولا استخدامي لا يلتقي إلا بحدود ضئيلة جدا مع المعنى القرآني، بل هو ينقض 70% [لست متأكدا من دقة النسبة، فقد تكون دونها بكثير، أو قد تكون أكثر منها بكثير] من التصور القرآني لله، فربما يلتقي مع القرآن في الصفات الذاتية لله، ويتقاطع معه في الصفات الفعلية، لأن القرآن غالبا ما يضع عنوانا إجماليا عاما يمثل مبدأً عقليا أو إنسانيا سليما مئة بالمئة، ولو حسب قناعتي، ثم ينقضه في التفاصيل والتطبيقات. كل من مصطلح «الرب» ومصطلح «الخالق» لا يؤديان تمام الفهم الفلسفي الذي أذهب إليه. كون القرآن استخدم المصطلح استخداما خاصا به، أعتبره شخصيا متعارضا للحقيقة الإلهية، لا يمنعني من استخدامي له بالمعنى الذي أراه. فلو كان صدام أو أي طاغية قد تحدث كثيرا عن الديمقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان، فهل يجب علينا تجنب استخدام تلك المصطلحات، لأن الذي استخدمها قد شوّه معانيها؟ بكل تأكيد لا. وإني أصر أن أستخدم كلمة (الله)، تعبيرا عن رفضي لاحتكار الدينيين له، ولأني أريد أن أطرح فهما آخر لله، تجده في (عصفورة حريتي) في نص (سيمفونية التنزيه) على صفحة 243، وستجد الفرق واضحا وجليا بين هذا (الله) الفلسفي اللاديني الذي أؤمن به، وذلك (الله) الديني للمسلمين واليهود والمسيحيين. وكذلك (الله) الذي كان يؤمن به فلاسفة اليونان، هو غيره في لاهوت اليهودية والمسيحية والإسلام، ولم أطلع تفصيليا كم يلتقي مع هذا (الله) التنزيهي الذي أؤمن به.
أما من ناحية المعنى الاصطلاحي، بعيدا عن اللغة كلغة محضة، فـ(الرب) و(الخالق) ما هما إلا من صفات الله، كما تعبر عن (الإنسان) بـ(الناطق)، أو (المفكر)، أو (المسؤول)، أو (العاقل)، أو ما شئت، فهي تعطي جانبا من جوانب معنى الإنسان، بينما تبقى كلمة (إنسان) وحدها تعبر عن المعنى الكلي. المسيحيون العرب ربما يكثرون من استبدال كلمة (الله) بـ(الرب) (Herr) بالألمانية، و(Lord) بالإنڠ-;-ليزية، أكثر مما يفعله الأورپيون أو عموم المسيحيين غير العرب، ربما لأن المسلمين مع الوقت نجحوا في أسلمة اسم (الله)، ومشروعي هو تحريره من سجن الدين عموما، ومن سجن الإسلام خصوصا، ورفض احتكاره من قبل المسلمين وعموم الدينيين.
(الله) عندي هو (واجب الوجود)، أو (ضروري الكؤون)، أو (العلة الأولى اللامعلولة)، أو (الطاقة الخلاقة العاقلة المريدة). وهي – أي هذه الطاقة – جمال مطلق، وكمال مطلق، وعدل مطلق، ورحمة مطلقة، وحكمة مطلقة، وقدرة مطلقة، وعلم مطلق [وخالقية مطلقة، وربوبية مطلقة]. والإيمان به يستند عندي إلى أدلة عقلية فلسفية، لا دينية وَحْيَوِيّة، ولا تجريبية مادية، ولا وجدانية كما يذهب إليه أحمد القبانجي، أو شهودية، كما يذهب إليه بعض علماء الكلام أي اللاهوتيين المسلمين، وكنت كمدرس للعقائد بالألمانية لسنوات أهمل ما يسمى بدليل الشهود، الذي يذكر إلى جانب دليل العقل، وأبين لطالباتي وطلابي ضعفه، كما أرفض التعويل على أدلة ما يسمى بالوحي، لوجوب إخضاع الوحي نفسه لدليل العقل، كما لا يتقاطع ولا يجوز أن يتقاطع عندي الإيمان الفلسفي بالله الذي أعتمده مع الحقائق العلمية، دون دعوى أن تلك الحقائق مما يُستدل بها على وجوده، كما لا يُستدل بها على نفي وجوده، إلا نفي وجوده لعله على وفق التصور الديني [وهنا يلتقي الامتناعان العلمي والفلسفي].
ثم هناك فائدة عملية إنسانية لهذه النظرية، وهي طرح الخيار الثالث بين (الإلهية الدينية) و(اللاإلهية) أي الإلحاد، ونفي التلازم بين 1): (الإلهية) و(الدينية)، وكذلك 2): التلازم بين (اللادينية) و(اللاإلهية)، وأيضا نفي 3): التلازم بين (الدينية) و(الدينية المغايرة البديلة). ولي تفصيل لذلك في كتابي. وهنا أراني ملزما أن أذكر ألا مشكلة لي مع التلازم من النوع الثاني، أي بين (اللادينية) و(اللاإلهية)، وإن كنت أعتبره خطأ، لكنه ليس مضرا، والخطأ يكمن في أن الإنسان عندما يختار أن يكون لادينيا، يكون بالضرورة لاإلهيا. لكن المشكلة تكمن في التلازم من النوع الأول والثالث، فالأول يجعل الإنسان الذي يتحول من لاإلهي أي مادي إلى إلهي، يتصور أن عليه أن يكون بالضرورة دينيا، مثلما حصل لروجيه ڠ-;-ارودي [روژی-;-ه گاردوی-;-]، كما إن الذي يتخلى عن دينه مع بقائه على الإيمان بالله، يتوهم غالبا أن عليه أن يختار دينا آخر، يعطيه جوابا مقنعا بالنسبة له على أسئلة محددة، مما كان يشكّل عنده من إشكالات وشكوك، فيما يتعلق بدينه الذي تخلى عنه، كأن تكون عند شخص مسيحي تساؤلات حول لاهوت التثليث، وإلهية عيسى وبنوته لله، فيجد في هذه المفردة بالذات جوابا في القرآن يراه هو مقنعا، فيتحول إلى هذا الدين الجديد، دون أن يلتفت إلى ما يحوم حول هذا الدين، أي دينه الجديد، من تساؤلات لا عدّ لها، كما لا جواب مقنعا عليها. وبعكسه عندما يتحفظ مسلم على العنف والقتال والواجبات والمحرمات الدينية المرهقة في دينه، ثم يرى أن المسيحية عندما تُعرَض عليه كدين للسلام والمحبة والتسامح، ويجد فيها تخفيفا للأحكام الدينية في مقابل الكم الهائل من الأحكام المبالغ فيها كما وتشددا في الإسلام، فينتقل إلى المسيحية، دون الالتفات إلى الكثير من اللامعقول فيها. أقول لا يمكن لكل الناس أن يقتنعوا في أن يكونوا ملحدين، وغالبا ما يتوهمون أن إيمانهم بالله يحتم عليهم اعتناق دين من الأديان، بينما هذه الرؤية تنفي هذا التلازم الموهوم، والذي يمثل خطأً منطقيا.
أما كلمة (الكفر) و(الكافر)، فأتفق معك كليا، لكني أستخدمها بمعنى عدم الاعتقاد بشيء أحيانا، في مقابل الإيمان بمعنى الاعتقاد أو الاقتناع بشيء ما، وكذلك من قبيل إني أريد أن أجاري الدينيين عندما أناقش الفكر الديني، أو أستخدمها لتكون صادمة، خاصة عندما أعبر عن نفسي بأني (كافر)، أو أني قد (كفرت)، أو أقول (إن الكفر يمثل ذروة الإيمان).
هذه الأفكار أردت أن أوضحها، وربما لا تقتنع بها، أو تقتنع ببعض منها، ولا تقتنع بالبعض الآخر، فلا يهمني في مثل هكذا حوارات إقناع الطرف الآخر، وإنما من أجل أن تتعرف على طريقة فهمي لهذه الأشياء، فلعلك فيما نختلف فيه تكون أنت على صواب، دون أن تستطيع أن تقنعني بصوابك، وأكون أنا على خطأ، دون أن يتبين لي خطئي، ولكن سيبقى في صوابك شيء من الخطأ، ويبقى في خطئي شيء من الصواب، وهذا يصح مع عكس الفرضية.
أنا شاكر لك جدا جدا، إذ أثرت هذا الموضوع، لأنه اضطرني أن أتناوله بما قد يصلح أن يُدرَج في كتابي، فتكون، كما آخرون، قد ساهمت في تأليفه.
أجدد تحياتي ومحبتي واحترمي.

لست مسلما .. لماذا؟ 1/3 – ضياء الشكرجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.