ماذا يقول الجسد حين تعانق الروح لحناً؟- ملهم الملائكة

تبدأ أصابعك بالنقر على الطاولة حال سماعك إيقاعاً محبباً، وقد يزداد انسجامك ستنقر بقدمك أيضا، ثم تحرّك كتفك أو يديك في الهواء، إنه رقص بشكله البسيط، ويفعله الناس بمنطقة مشاعر مجهولة، بين العقل والروح، منطقة تتسامى فيها الروح في العشق وفي الشهوة وفي الفرح أو الحزن، فيكون طرباً أو نشوة أو ضحكاً بكاء. وحين يتلو عبد الباسط الآيات المقدسة يخاطب أرواحنا، فتطرب الروح ويقول الجسد أشياء غامضة.
ومن عجب أنّ كل المؤمنين يطربهم صوت قرّاء القرآن المهرة وهم يترنمون بالآيات، فنرى الحشود تتمايل لصوت عبد الباسط وهو يرتل قصار السور أو سورة يوسف، وتتعالى عبارات الاستحسان وتنهال عليه تعبيرا عن نوعٍ من طرب ينتاب الحشود وهم يتمثلون الآيات والسور، بصوت عبد الباسط الرخيم، وهو صوت من طبقة استثنائية يردد ” وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ “، فيسرح خيالهم الى تمثّل الصور خلف الأبواب المغلّقة، وامرأة العزيز ساحرة الحسن وهي تراود يوسف الجميل عن نفسها، وهو يأبى ويتمنع.
هذا الطرب هو لغة الروح، ورجال الدين المتشددون الجدد يرون في الترنم بالقرآن إساءة له، فيما يراه ذوو النوايا الطيبة محاكاة للغة الروح تقرّب نصوص السماء الى طقوس التعبد والوحدانية مع الخالق، وحين يصدح عبد الباسط ” قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ” فهو إعلان نسوي أنّ اغراء يوسف لا يقاوم. ما نحن فيه هنا هو هذا الإيقاع الساحر الذي يجعلنا نهز رؤوسنا ، هو ليس خشوعا كما يفسره المتدينون، بل طرباً لحسن سبك لغة الآيات، وطربا لحسن صوت وأداء عبد الباسط.
لغة السماء تخاطب القلب أم تخاطب الروح؟
لغة القرآن عصيّة على أغلب الناس، لكن ترنّم الصوت الجميل ينّسل الى الجسد وهو معدن الروح، ويغزل مع النفس قصيدة غامضة بلغة تطربنا لكننا لا نفقه تفاصيلها، إنّه شعور يقترب من اللذة بأنواعها، فهو لذّة الروح الغريبة وهي تبحث عن طرب لا يريم، وترنّم لا تحدّه تفاسير الظلاميين.
هذا التداخل في السماوي والأرضي هو نفسه سبب رقص الناس، لو جردّنا أي مشهد راقص من الموسيقى ونظرنا بحياد الى حركة الراقصين فلن نملك الا أن نسأل ، لماذا خرج هؤلاء عن وقارهم، وماذا يقولون بهذه الحركات؟
الحركات الايقاعية المنظمة تخاطب مناطق الاستحسان في عقولنا، وهو ما يدفعنا الى التفاعل مع مشاهد الرياضة السويدية الاستعراضية المنظمة، ومشاهد التزلج على الجليد داخل القاعات، وعروض الجمناستك التي ينفذها اليافعون فيتفوقون فيها بشكل مطلق، وهي نفس مناطق الحس الدماغي التي تجعلنا نتذوق عدو الخيول في السباقات، وسير السيارات والدراجات النارية  في سباقات السرعة وهي تنساب حول المنعطفات.
ولا يملك العلماء و المتخصصون أدلة تفسر اعجابنا بتلك الحركات، لكنّ كثيراً من المتخصصين في علم النفس يرون أن عجزنا عن الاتيان بتلك الحركات والتناغم يدفعنا للإعجاب، وهو تفسير يعيدنا الى المربع الأول، فهو يزيد الغموض ولا يسلط الضوء.
فهل الرقص جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟
دراسة أمريكية نشرت مؤخراً كشفت أنّ الموسيقى المرافقة للرقص هي سبب الطرب، لأنها تنشّط المنطقة المسماة      the cerebellum في أسفل الفص المخي الخلفي وهو المسؤول عن تنسيق التوقيت بين الحركات، وبالتالي فإن الرقص هو عبارة عن تنسيق عالٍ للحركات حفزته الموسيقى . لكنّ هذا التفسير لا يقدم جوابا عن سبب الطرب وإحساس السعادة الذي يدفع الناس الى الدبكة مثلا أو البريك دانس أو التانغو أو التوست دانس…في الصحراء وفي الجبل يتزاحم الرجال والنسوة على المشاركة في الدبكة واتقان حركاتها وضبط توقيتها، ليظهروا براعة تطرب النفوس، فهل هذا جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟
لماذا يرقص الناس؟ سؤال حاولت البروفسورة الأمريكية كيميرر لاموته الأخصائية في الفلسفة الإجابة عنه في كتاب من سبعة فصول حمل نفس الاسم، فذهبت من جملة ما قالت الى أنّ ” الرقص تعبير خالٍ من المضمون، تعبيرٌ أجوف، فهو ليس سيئا ولا جيداً، ليس مفيدا ولا ضار، هو وصف يفتقر الى باراديام يصنفه ويصفه، لا روح في الرقص، فالرقص هو الروح، ولا توجد طريقة محددة واحدة تقنّونه”، وتجعله نمطا يقبله الجميع كجزء من حياتهم، لكنّ الجميع يعرفون أنه” رقص” حال أن تبدأ الأجساد بالتمايل تجاوبا مع أيقاع أو نغم أو وتر يخاطب القلب…هل هو القلب أم الروح أم العقل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.