ما بعد پشتاشان- زكي رضا

لقد طغت أحداث مجزرة پشتاشان في الآونة الأخيرة على السطح مرّة أخرى وليس من جديد، لأنّ الحدث بتداعياته لم يبتعد يوما عن ذاكرة الضحايا والجلّادين. فقيادي في الإتحاد الوطني يتم تجميده بعد نشره كتابا تحت عنوان ” بدلا من المذكرات” يذكر فيه إمتناعه عن قتل الأسرى الشيوعيين، محمّلا قيادي آخر قرار اعدام الشيوعيين ليقول ” “امتنعت عن قتل أسرى الشيوعيين في أحداث (بشتاشان)، ورفضت أن أنفذ أوامر القيادة حين طلب مني”، وليضيف قائلا ” “نوشيروان مصطفى وهو نائب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قال لي حرفيا أنا سحقت رؤوس الشيوعيون وعليك أن تقطع أوصالهم”!! وقيادي في الحزب الشيوعي يتناول أحداث جريمة پشتاشان بشيء من الليونة في برنامج تلفزيوني، ما دعاه للإعتذار بعد عاصفة من الإنتقادات من قبل رفيقاته ورفاقه.

أنّ أي صراع بين القوى الوطنية أثناء نضالهم ضد النظام البعثي الفاشي، كان يصبّ في مصلحة النظام وعلى الضد من مصالح شعبنا. ولم يألوا النظام وقتها جهدا في شق صفوف الحركة الوطنية العراقية وصولا الى الإقتتال فيما بينهم، فهل نجح النظام في ذلك؟ أعتقد جازما ومعي الكثيرين من أنّ النظام البعثي نجح نجاحا كبيرا في شراء قوى سياسية وإستخدامها لضرب قوى سياسية أخرى، كما وأنّ الصراع بين القوى نفسها ولأسباب مختلفة كان يصب هو الآخر في مصلحة النظام. فهل مجزرة پشتاشان كانت ضمن هذه الصراعات التي غذّاها النظام ونفذّها طرف من المعارضة قبل أن يتحول الى جانب السلطة ضد طرف آخر؟

لو دخلنا في أسباب اندلاع أحداث پشتاشان وعلى عاتق من تقع مسؤولية بدأ الأحداث، لرأينا أنفسنا وسط امواج من الإتهامات والأتهامات المضادة، فكل طرف يحمّل الآخر سبب بدأ الأحداث وما آلت اليه من مجازر ستبقى مدار بحث وإدانة لسنوات طويلة. وإن كان التاريخ يكتبه الأقوياء، فإننا نستطيع اليوم القاء اللوم على الشيوعيين في بدأ المعارك، لكن هل التاريخ سيبقى أسيرا بيد من يمتلك القوّة والإعلام والمال!!؟

لا أود في هذه المقالة أن ابحث في احداث مهدّت للمجزرة، ولا للأحداث التي رافقت المجزرة، ولا الى الأحداث التي حصلت بعد المجزرة في كوردستان العراق. كما ولا يهمني هنا ان اصطف الى جانب قيادي في الاتحاد الوطني أو آخر في الحزب الشيوعي عبّرا عن رأيهما حول تلك الجريمة، ولا الى موقف الحزبين اليوم من بعضهما البعض وهما يشاركان بقية القوى السياسية فيما تسمى بالعملية السياسية بالعراق. بل أود العودة الى الحدث في مكان جغرافي بعيد جدا عن مكان حدوث الجريمة، ساعود الى طهران التي كنت مهجرا اليها، لأرى وانا اعيش بين عراقيين مهجرين يعانون من شظف العيش وعدم إمكانية زيارة العراق تحت طائلة الإعدام، نتائج الجريمة من هناك.

كانت احد نتائج جريمة پشتاشان ونحن في إيران هي زيارة عناصر الإتحاد الوطني المقيمين في طهران الى العراق وعودتهم منه بسلام بعد فترة من الزمن، هذه الزيارات فتحت ابواب التساؤل مشرعة عن الثمن الذي قدمه الإتحاد الوطني للسلطة البعثية كي تسمح لعراقيين ” معارضين لسلطتها” يقيمون في بلد هم في حالة حرب معه (إيران) لزيارة بلدهم أي العراق ومن ثم عودتهم الى إيران من جديد دون أن تمسّ منهم شعرة واحدة!!؟ والسؤال الآخر كان في اسباب تساهل السلطات الإيرانية مع هؤلاء وهم يذهبون الى بغداد ويعودون منها الى طهران وكأنهم في سفرة داخلية بين مدينتين إيرانيتين!!؟ وقتها حمّل العراقيون المهجرون الى إيران تنظيم الإتحاد الوطني الكوردستاني مسؤولية إرتكاب الجريمة، معتبرين جريمة پشتاشان عربون منهم للسلطة البعثية في إقامة علاقات معهم، وهذا ما فتح بابا لأعضائهم في زيارة العراق… لكن السؤال الذي لازال عصيا عن الجواب هو: لماذا التزمت المخابرات الإيرانية الصمت تجاههم، وكيف أقام فؤاد معصوم بعد رقصته المشهورة وقيادة حزبه مع الجلادّين عزة الدوري وعلي كيمياوي في فندق بطهران كان بمثابة مقر للإتحاد الوطني الكوردستاني، وهل تلك العلاقات المخابراتية بين قيادة الإتحاد الوطني وجهاز إطلاعات الإيراني قائمة لليوم، ونحن نرى إمارة السليمانية الطالبانية حديقة خلفية لإيران…!؟

من خلال قراءتي وقربي من الأحداث من طهران وليس من غيرها، أستطيع القول وبثقة من أن مسؤولية جريمة پشتاشان تقع على عاتق الإتحاد الوطني الكوردستاني. هذه الجريمة التي ستظل تلاحق مرتكبيها أحياء كانو أم أموات لتكللهم بالعار وتوصمهم بالعمالة للبعث والإطلاعات الإيرانية.

المجد للشهداء وهم يطرزون جبال كوردستان بقبورهم
العار للقتلة وهم يطرزون جبال كوردستان برصاصاتهم الحاقدة وبنادقهم المأجورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.