ما هو التعصب يا سيدتي؟ – محمد مندلاوي

عزيزي القارئ الكريم، المشكلة التي أواجهها مع بعض المتابعين لكتاباتي، أنهم للأسف لا يستوعبون حتى معنى الكلام السلس، السهل، الذي أضعه على الورق! فلذا، أحدهم يصفني بالشوفيني وهو كاتب وشاعر كوردي، لكنه تزوج من فتاة عربية ونسي لغته الكوردية ويتملق للعرب لعلهم يعدوه عربيا. والآخر يقول لي أنت متطرف، لكنها زلة لسان منه. وأخيراً قالت لي إحداهن وهي سيدة محترمة: إنك متعصب حتى لا تقبل أن يقال كوردستان العراق. يا للعجب، كأن جنوب كوردستان هو جزء من العراق وأنا أفصله عنه! فعليه تقول عني متعصب لأني لا اقبل أن يلحق جنوب وطني بدولة الاحتلال حتى ولو اسماً، قلت في نفسي، ربما هي لا تعرف معنى التعصب، قالته دون دراية به منها بأنه يعني التعصب لعرق ضد عرق آخر، لكني أشك أنها لا تعرف معنى تلك الكلمة التي جرحتني بها وهي امرأة مثقفة. لكن يا ترى هل أنا هكذا؟

أم أطالب فقط أن يطلق على شعبي ووطني اسمهما الصحيح دون أن يلحقا بشعوب وكيانات غريبة ليست لهما أية صلة بهم. حتى لو نفترض جدلاً أن للشعب الكوردي علاقة جيرة أو صلة عرق أو دين مع الشعوب والكيانات العربية الفارسية التركية، دعينا نقارن؟، إلا تعلم سيدتي أن هناك، في وسط أوروبا توجد دولة “نمسا” لغتها ألمانية وشعبها من العرق الجرمني هل يحق لألمانيا أن تضمها إليها بسبب أن شَعْبَي الكيانين يتكلمان لغة واحدة؟ وهكذا بلجيكا ودوقية لوكسمبورج لغتيهما فرنسية هل أدعت فرنسا يوماً ما بأنهما جزأين من فرنسا؟ أضف لهؤلاء، هناك دول تأسست والآن أعضاء في الأمم المتحدة كانت جزءاً من دول أخرى وبعضها لا زالت تحمل أسماء تلك الدول، كجمهورية جنوب السودان، وجمهورية تيمور الشرقية، و أوستريكة،

التي تسمى بالعربية “نمسا” وهي تعني باللغة السويدية شرق المملكة ” Österrike”، وباكستان الشرقية، التي صارت بنجلاديش، وغويانا البريطانية الآن تسمى جمهورية غويانا، وغويانا الهولندية الآن تسمى جمهورية سورينام. و”نروج” التي في أقصى الشمال الأوروبي كانت حتى عام 1905 جزءاً من مملكة السويد، إلا أنها تخلت عنها في العام المذكور بناءاً على رغبة شعب النرويج، كان من الممكن أن تتذرع السويد حتى باسمه الذي هو نروج (Norge) ويعني الشمال بأنها شمال السويد، ولغتها شبيهة جداً باللغة السويدية ولن نتنازل عنها، لكن السويديون ليسوا كالعرب والفرس والأتراك أنهم أعقل بكثير من هؤلاء..

تركوا حرية الاختيار لشعب النروج واختار الشعب أن يقيم دولته الوطنية. بينما كوردستان بشعبها وأرضها المجزأة بحراب الاحتلال.. لم تكن يوماً ما جزءاً من كيانات مربع الشر المعروفة باسم عراق، إيران، سوريا، تركيا. لقد بات يعرف القاصي والداني إن شعب كوردستان الأبي، وجد على أرضه التي تحمل اسمه قبل مجيء الشعوب الفارسية، التركية، العربية إلى المنطقة، ومن يريد أن يناظرنا عن تاريخ الشعب الكوردي العريق وفق مصادر معتبرة ومعتمدة دونها أيادي فارسية، عربية، تركية وغيرهم فنحن على أهبة الاستعداد.
حقيقة لا أدري، هل هناك خطأ ما، حين أطلب من الإنسان الكوردي أن كان رجل الشارع أو في أعلى منصب قيادي في كوردستان حين يذكر اسم وطنه كوردستان، أن لا يذيله بلاحقة باسم إحدى دول الاحتلال البغيضة كالعراق أو إيران أو سوريا أو تركيا؟ يا ترى ما العيب في هذا؟

أم أن الانتماء القومي والوطني غير موجود في قواميس هؤلاء الذين ينتقدوننا؟ فلذا شخصيتهم وثقافتهم القومية والوطنية ناقصة غير مكتملة كمواطنين ينتمون إلى شعب قائم بذاته ووطن كما أسلفت اسمه مقترن باسم هذا الشعب العريق إلا وهو كوردستان.
في الواقع العيب ليس في هؤلاء.. العيب في الأحزاب والقيادات السياسية الكوردية، وتحديداً حكومة إقليم كوردستان، التي لديه كل الإمكانيات لنشر ثقافة قومية وطنية صحيحة وسليمة بين أبناء الشعب كما يجب وتحقق فيه نجاح كبير. لكن ماذا نقول لمن هو لا يجيد ألف باء “الکوردایەتی” وجاهل في هذا المضمار، ولا يجيد قراءة أفكار محتلي وطنه من العرب والفرس والأتراك بشكل سليم. بالأمس شاهدت في التلفاز حفل تنصيب رئيس مجلس الوزراء إقليم كوردستان ووزرائه في برلمان الإقليم حين بدؤوا بأداء القسم، كان أول الذين أدى القسم رئيس مجلس وزراء الإقليم وهو مسرور مسعود مصطفى محمد بارزني يستحسن أن يعرف اختصاراً في كوردستان بـ ” چوار ئم بێ= Chwar m b” أي أربع ميمات في أول اسم مسرور مسعود مصطفى محمد ثم حرف الباء الذي أول حرف في لقب بارزاني، أو يُعرف بأول حرفي اسمه ولقبه “ئم بێM B=” للعلم، هذا ليس تهكماً أو استهزاءاً به قط، بل تعريفاً مختصراً لاسمه الرباعي ولقبهك ‌، أو الطريقة الثانية التي هي اختصار لاسمه ولقبه. على أية حال، أنه أدى قسمه، ومن بعده نائبه الذي هو نجل الراحل جلال طالباني، ومن ثم الوزراء بهذه الصيغة:

بەخودای مەزن سوێند دەخۆم، کە بەدڵسۆزیەوە پارێزگاری لە یەکێتی گەل و خاکی کوردستانی عێراق بکەم و ڕێز لە یاسا ڕەچاو کراوەکان بگرم = أقسم بالله العظيم، أن أحافظ بكل أمانة وإخلاص على وحدة أرض وشعب كوردستان العراق واحترم قوانينه السارية. لو نناقش المفردات التي جاءت في القسم ونغوص في أعماقها ونشرح مضامينها، أولاً: حسب معرفتي في العقيدة الإسلامية أن خودا غير الله؟. ثانياً: أن كلمة “یەکێتی” غالباً ما تفسر في اللغة الكوردية بالوحدة أو الاتحاد وهما مفردتان تختلفان في الشكل والمعنى، أي إنها كلمة مطاطية بعض الشيء. لكن البيت القصيد هنا “كوردستان العراق” كما جاء في سياق القسم، أنا لا أدري من أين جاءوا باسم العراق وألصقوه بمؤخرة اسم كوردستان؟ بينما الدستور الاتحادي العراقي لم يقل مثل هذا الكلام غير المسئول، في الحقيقة أنا كمواطن كوردستاني لقد ذكرت هذا في كتاباتي مرات ومرات، لقد قلت في نفسي عسى بهذا التكرار أن يصلهم صوتنا ويرفعون اسم العراق من ذيل اسم كوردستان، إلا أن الجماعة كأنهم صمٌ بكمٌ عمىٌ، بل أكثر من هذا تبين أنهم حُمْرٌ لا يفقهون، لا يدركون أن الوصول إلى الهدف السامي لا يتم إلا باستخدام لغة صحيحة وسليمة للمسميات المقدسة،

أي لغة معينة ومحددة حروفها لا يجوز التلاعب بها أبداً لأن مفرداتها ترمز إلى هدف أسمى وأنبل من كل شيء سواها. لمن لا يعلم، في البدء كان اسم حزب رئيس مجلس الوزراء “الحزب الديمقراطي الكوردستاني – العراق” بعد أن أدركوا أن الاسم بهذه الصيغة.. خطأ، فلذا رفعوا اسم العراق وصار اسمه “الحزب الديمقراطي الكوردستاني” وهذا هو الصحيح وعين الصواب. لكن يا ترى كم كوردستان توجد على الأرض؟

أليست كوردستان واحدة جزأها الشرق المسلم ومن ثم الغرب (الكافر) ونحن الكورد لا نعترف بهذه التجزئة الظالمة للشعب والوطن الواحد؟. السؤال هنا، أليس هذا يعني أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو حزب لكل كوردستان؟ أعني شرق وغرب وشمال وجنوب كوردستان، ووفق هذه التسمية الصحيحة للاسم، لا يتوافق اسمه مع نص القسم الذي ذكرناه أعلاه وتحديداً جزئية كوردستان العراق. هذا يذكرني بذات الكلام الذي جاء في النظام الداخلي لحزب عائلة جلال طالباني المعروف بـ”الاتحاد الوطني الكوردستاني” الذي هو لا وطني ولا كوردستاني ولا حتى متحد فيما بين قياداته، في البدء لذر الرماد في عيون الشعب لم يذيل طالباني حزبه باسم العراق، لكن في النظام الداخلي للحزب ذكر 14 مرة اسم كوردستان العراق؟؟!!

أليس بهذا الفعل المشين يضحكوا على أنفسهم قبل أن يضحكوا على الشارع الكوردي؟. يا سادة، يجب على السياسي الكوردي أن يكون له القدرة الفائقة على الفهم والاستنتاج والتحليل والتمييز ويعرف بحنكته السياسية كيف يصوغ الكلمات بذكاء وفطنة حتى يناسب الأسماء والمسميات الكوردية التي تؤكد على وحدة الشعب والأرض؟

وفي نفس الوقت بتلك الأدوات الفكرية -أن صح التعبير- يستطيع أن يستحمر الأعداء والمتربصين به حتى يوصل شعبه إلى شاطئ الأمان وذلك بتأسيس دولته الوطنية أسوة بدول العالم. أتوجه إلى منتقديننا.. وأسألهم بكل روية وهدوء، أين العيب والخلل فيما قلنا عن شعبنا الكوردي ووطنا كوردستان؟.
” الاعتدال في التعصب فضيلة، والاعتدال في المبدأ رذيلة” (توماس بين)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.