محنة الصَّادق.. مع كتائب وألوية وعقارات- رشيد الخيون

مَن ينتهي مِن قراءة سيرة الإمام جعفر الصَّادق (ت 148هـ)، وينظر في أحوال وسلوك الجماعات السِّياسية والمسلحة التي تنتسب إليه، يجدها محنته قبل غيره ممَن أتى بعده مِن أئمة ورؤساء المذهب الإمامي. كان رجل فقه وعِلم لا رجل سياسة وثورات، وتنظيمات عسكرية. فلعدالته اعتقد السُّنة الحنفية أن مذهبهم هو مذهب جعفر الصَّادق حتى قالوا: «لولا السنتان لهلك النِّعمان(أبو حنيفة)» (الدَّهلوي، التحفة الاثني عشرية)، واعتقد الشِّيعة الإمامية أنه صاحب مذهبهم وعرفوا بالجعفرية، ولم يُسمو بغيره من آبائه وأبنائه وأحفاده. فالعلوية شأن آخر، والموسوية القوم وليس المذهب.

كانت أغلب الأحاديث التي وردت في كتب الحديث الإمامية الرئيسية: «الكافي، «ومَن لا يحضره الفقيه» و«الاستبصار»، والاعتبار»، نُسبت إلى أبي عبد الله وهي كُنية الصَّادق.

لم يُشارك الصَّادق بثورة عمَّه زيد بن علي (قُتل 122هـ)، فالقول لزيد: «مَن أراد السَّيف فإليَّ، ومَن أراد العِلم فإلى ابن أخي جعفر» (ابن عباد، الزَّيدية). ويُنقل عنه أنه حذر واصل بن عطاء مؤسس المعتزلة (ت 131هـ)، عندما دخل المدينة ودعا أبناء عمومة الصَّادق للثورة في أواخر العهد الأموي، فقال له: «أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمداً بالحق والبينات والنُّذر والآيات، وأنك يا واصل أتيت بأمر يفرق الكلمة وتطعن به على الأئمة، وأنا أدعوك إلى التَّوبة» (ابن المرتضى، المُنية والأمل).

يُضاف إلى أنه رفض تسلم الرِّسالة التي يخوله فيها الثُّوار القائمين على الثورة ثم الخلافة العباسية أن يكون هو صاحب الأمر، وهي رواية مشهورة. خلاصة القول في الصَّادق يأتي بها صاحب «الملل والنِّحل» محمد بن عبد الكريم الشَّهرستاني (ت 548 هـ): «لم يتصدَّ للإمامة قطّ، ولا نازع أحدًا في الخلافة قطّ، ومَنْ غرف من بحر لم يطمع في شطٍ، ومَن اعتلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطٍ».

ليس لأحد الحقُّ بالادعاء أنه صار نائباً لجعفر الصَّادق وأبنائه وأحفاده مِن بعده، في الشّأن السياسي، على منهج «ولاية الفقيه» السِّياسية أو العامة، وليس مِن حقِّ أحدٍ أن يجعله عنواناً لقوة مسلحة تخيف النَّاس وترعب أهل الثّقافة والأدب، وتدعي باحتلال عواصم، وتكون حائلاً أمام تطبيع الحياة في أكثر مِن بلد، ولا أن يُسجل باسمه عقاراً منهوباً.

لم يكن ذلك الأمر جديداً، فالذين أرادوا لجعفر الصَّادق أن يكون قائدهم وملهمهم الثوري، قال بعد وفاته بأنه المهدي المنتظر (النوبختي، فرق الشِّيعة)، كي يحصلوا على الشرعية التي يقودون ويسوسون النَّاس بها لمصالحهم. بينما وكلاء ولده موسى الكاظم (ت 183هـ)، رفضوا تسليم ولده عليّ الرِّضا الأموال التي كانت لأبيه لديهم، وقالوا له: إنه لم يمت بل هو المهدي (الطُّوسي، كتاب الغيبة).

إنها محنة لجعفر الصَّادق وذريته حقَّاً، من بعدهم، إلى يومنا هذا، وقد اختلف النَّاس فيهم على فرق ومذاهب، فمنهم مَن عدّه المهدي، ومنهم مَن اعتبر الإمامة لولده إسماعيل، وعندما توفي الأخير في حياة والده جعفر نقلوا الإمامة لحفيده محمد بن إسماعيل، فكانت فرقة الإسماعيلية والتي هي الأُخرى افترقت وتشعبت إلى فرق متخاصمة، وآخرون قالوا خلافة الإمامة لموسى ولده الآخر، وهذه الفرق كافة استندت على الصَّادق نفسه، وهناك مَن جمع الأتباع وثار باسمه، بينما الرَّجل كان فقيهاً وعالماً مشهوداً له، ولم يحصر نفسه بثورة أو حزب سياسي، وكذلك الحال كان مع أبيه محمد الباقر (ت 114هـ).

إلا أن الأكثر تجاوزاً على جعفر الصَّادق، وهو الأمين والبريء من الاستحواذ على أموال الآخرين، أن يُجعل اسمه عنواناً لمؤسسات مختلف على شرعية ملكية أرضيها وأبنيتها، ومَن جعله راية لميليشيا، والأحزاب الدينية أخذت تكتب عن حراكه السياسي المختلق وحراك ولده الكاظم، كي تُضفي الشَّرعية على وجودها!

أخذ قادة الجماعات المسلحة يعتمرون عمامته مع البذلة العسكرية وحمل السِّلاح، والتي يُعتقد أنها كان سوداء، على أنها عمامة جده، ولا يفوتنا التذكير أن العمامة السوداء التي اعتمرها الملا عمر زعيم حركة «طالبان» كانت سوداء، على أنها عِمامة النَّبي نفسها، وأنها محفوظة في مسجد قندهار منذ زمن طويل (الحناشي، العاصفة والعِمامة). فمن عجبٍ أن قادة طالبان نسفوا الآثار، بينما صدقوا غرابة وصول العِمامة مِن الحجاز إلى قندهار، واحتفاظ القماش بنسيجه ولونه لأربعة عشر قرناً. فلكم تصور ما يحصل في السِّياسة والثَّقافة، وما هو المستوى الحضاري الذي بات يهيمن على النَّاس بقوة الرَّمز والسِّلاح.

هكذا هو الانتساب إلى الشَّخصيات المقدسة، كجعفر الصَّادق وآبائه وذريته، مِن قبل كتائب وألوية، مع تسميات مقدسة، ولكلِّ جماعة فقيهها الممثل للولي الفقيه، مِن خارج الحدود الوطنية. إن القدسية واحدة إن كانت لزعيم طالبان أو لكتائب أو أحزاب الله، وعامل الترهيب بالقدسية وبالسلاح على حدٍ سواء، والمشاريع متشابهة في طائفيتها وتطرفها.

يصعب فهم ما نقرأه في سيرة الإمام الصَّادق وما نسمعه مِن معتمري عمامته وهم يخطبون بالفتنة واستلاب العقول، ويبشرون بزمن فوضى السِّلاح، واختراق الآفاق دفاعاً عن الأتباع، وهم جنود في كتائب مسلحة. زمن اختلف عمَّا كان عليه معتمرو تلك العمامة، في العقود الخوالي، لتحل محلها عمائم البارود والديناميت والسِّلاح النَّووي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.