مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية!- أنمار نزار الدروبي

المعماري الذي يريد إنشاء بيت يلزمه أن يضع تصميم هندسي دقيق يشمل جميع الأبعاد مع الشكل النهائي إضافة لخطة العمل وتوفير المواد اللازمة في إنجازه، كذلك يستوجب اختيار الموقع المناسب وحساب عوامل التأثير على البناء وصموده أمام تقلب الظروف الطبيعية وإجراء فحص للتربة بما يضمن سلامة الأسس وقدرتها على تحمل البناء. هذا كله ينطبق على بناء الدول وصلاح ديمومتها. لاشك أن قيام دولة إسرائيل كان مسبوقا بحسابات دقيقة وخطط مبرمجة على أعلى مستويات التصوّر وآفاق المستقبل، لكن الأخطاء تفرض حالتها ضمن سلسلة معقدة وخفيّة من الإجراءات، وأفدح الأخطاء تلك التي تنتج عن الحسابات الخاطئة أو التي لم تضع وزنا لديناميكيّة التحولات التاريخيّة وغضب الطبيعة. لعلّ الفرضيّة الخاطئة التي تم اعتمادها في إنشاء دولة إسرائيل كانت تعتمد على منح أرض بلا شعب الى شعب بلا أرض، هذا الخطأ كان يمكن تفاديه منذ البداية بحل جذري يحسم إشكالية النزاع بين أهل الأرض والوافدين إليها من جميع بقاع الأرض، غير أن المخطط المرسوم يقتضي تنفيذه على مراحل بضمنها أن يتم توسيع أراضي دولة إسرائيل من خلال حروب محسومة النتائج بتدبير قوى دولية لها مصالح بذلك، بمعنى آخر يمكن أن نعتبر دولة إسرائيل موظفة لمشروع دولي سياسي وعسكري ( حاملة طائرات كبرى وحاضنة جاليات أو حامية عسكرية ) ومن هذا الاعتبار علينا أن ندرك الظرف التاريخي الذي مهّد لمشروع دولة إسرائيل ولا نتجاهل المتغيرات الطارئة على مستوى السياسة الدوليّة وتبدل موازين القوى لكي نحدد قيمة ووزن إسرائيل الجيو السياسي والاستراتيجي عالميّا وإقليميّا على ساحة الشرق الأوسط. إسرائيل مشروع للحركة الصهيونية وليست دولة فحسب، هذا المشروع لا يقف عند حدود أرض الميعاد لليهود أو الحالمين في شعار ( حدودك يا إسرائيل من الفرات الى النيل ) والحركة الصهيونية ليست حركة دينيّة يهوديّة كما يتصورها البعض، إنما هي حركة علمانيّة تجسّد مشروع سياسي يمهّد لإنشاء نظام دولي تكون أورشليم القدس عاصمته الأبديّة. إن الحديث عن مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية يخضع لعوامل وأبعاد متعددة، عوامل السياسة الدولية وشكل موازين القوى والعامل الإقليمي وجملة مشاريع تتقاطع مع المشروع الصهيوني على ساحة الشرق الأوسط، وترافق هذه العوامل أبعاد تاريخية وحضارية وثقافية واجتماعية، لذلك سنضع مؤشرات محددة عن طبيعة العلاقات العربية الإسرائيلية بالتوازي مع توظيف الحالة الإسرائيليّة ومستقبلها في الشرق الأوسط، لو افترضنا تحقيق نظام دولي متوازن يجنح الى استقرار منطقة الشرق الأوسط وخلق منظومة أمنيّة متكاملة بحيث تكون دولة إسرائيل ضمن هذه المنظومة الإقليميّة، في هذه الحالة سينتهي توظيف إسرائيل الذي خططت له الدول الاستعمارية بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي ومنع الشعوب العربية من التحرر وتأسيس كيان دولة واحدة تجمعهم، هنا ستكون العلاقة بين اليهود والعرب محكومة بتحقيق نظام إقليمي تعددي يتجاوز حدود الانتماء الديني والعرقي الى هوية المواطنة والعلاقات النفعية الاقتصادية والعلمية والثقافية ( نظام يشبه الإتحاد الأوربي حاليا ) والحقيقة إن منطقة الشرق الأوسط عبارة عن نسيج متعدد من الأعراق والديانات والطوائف وأن اليهود ليسوا غرباء عن هذا النسيج من الناحية التاريخية فهم جزء أصيل منه قبل أن يتم حشرهم في كيان دولة منعزلة لا تستطيع التعايش مع محيطها. المؤشّر الآخر يتبع أجندة الحركة الصهيونيّة في تنفيذ مشروعها الإمبريالي الذي يعتبر دولة إسرائيل مركز قيادة وقاعدة انطلاق له، ويبدو أن مشروع الشرق الأوسط الجديد ليس سوى عنوان واجهة لهذا المشروع، بما يمكن اعتبار حرب الخليج وما تبعها من كوارث باحتلال العراق وتدمير سوريا وليبيا واليمن وكل ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط هو مخطط ضمن مراحل تنفيذ أهداف الحركة الصهيونية، عند هذا المؤشّر تكون العلاقات العربية الإسرائيلية محكومة بواقع الانسجام مع متطلبات مستقبل نجاح هذا المخطط. على مستوى الأنظمة لا توجد معوقات والملاحظ وجود تسابق في بناء علاقات سريّة أو علنيّة مع إسرائيل، أما على المستوى الشعبي فهنالك عقبات كبيرة جدا لابد أن يتم تذليلها، فقد أثبتت الوقائع فشل سياسة التطبيع بين اليهود والعرب خصوصا مع يهود (الأشكيناز) اللذين تدفقوا من بولندا وروسيا وكذلك يهود الفلاشا الأفارقة، الحقيقة التي تستوجب عدم تجاوزها هي الطبيعة الاجتماعية المتناقضة داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب إشكالية الهويّة، إذ لا يمكن للدين أن ينسخ الانتماء القومي ولا يمكن أيضا أن يكون شرطا في حقوق المواطنة وبهذا الوصف تعتبر إسرائيل دولة عنصريّة. يبقى أن نعزو التماسك في المجتمع الإسرائيلي الى الأخطار التي تهدد وجوده وبذلك سيبقى منغلقا على نفسه وفي حالة تأهب دائم للحرب، هذه الحالة من القلق والتوتر تنعكس على شخصيّة المواطن الإسرائيلي وتبقيه عدوانيّا فاقدا للتوازن خاصة في تعامله مع العرب ضمن حدود فلسطين المحتلة. ثمّة مؤشر ثالث لابد أن نعرّج عليه، هذا المؤشّر يخص التسوية وإيجاد حل مرضي لإنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني سواء بدولتين تفصلهما حدود 4حزيران 1967 أو بنظام دولة مواطنة ديمقراطية تعددية تسدل الستار على مسلسل الصراع وفق برنامج تعايش يتم تطبيقه على مراحل؟ والمرجّح إن الحركة الصهيونية تسعى لتثبيت أمر واقع لدولة يهودية عاصمتها القدس بدعم أمريكي ولا تكترث بالعواقب جرّاء ذلك .. سيبقى موضوع العلاقات العربية الإسرائيلية متأرجحا بين شعوب مقاومة تمزقها الخلافات الطائفية والمذهبية وتعاني من الظلم والفقر والاستبداد بما يسمح ويوفر فرصة لتمرير المخططات وتنفيذ المشاريع على حساب وجودها. ختاما تعتبر دولة إسرائيل صنيعة الغرب الاستعماري وقاعدة إستراتيجيّة للنظام العالمي الجديد وسيبقى وجودها مرتبطا بطبيعة المتغيرات العالمية، كذلك تبقى العلاقات العربية الإسرائيلية مرهونة بتطورات الأحداث ومستقبل منطقة الشرق الأوسط التي تشهد صراعا محتدما تتقاطع فيه أجندات مشاريع دولية وإقليمية لا يمكن التكهن بالنتائج التي تستقر عليها.


الكاتب والباحث السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.