مشروع القرار الأمريكي، ابتزاز أم بالون اختبار؟- عبدالخالق حسين

خلال السنوات الأربع الأخيرة راحت العلاقات العراقية – الأمريكية تتأرجح بين مد وجزر. والظاهر أن أمريكا تنظر إلى العراق من خلال عيون المملكة العربية السعودية، فرضاء الأولى عن الحكومة العراقية من رضاء الثانية. والسعودية لا ترضى عن حكومة عراقية يترأسها شيعي، ومهما كانت شامله وقدم الشيعة من تنازلات. والمعروف أن السعودية تملك المال الوفير، إذ يدر عليها النفط نحو مليار دولار يومياً، و لديها تراكم أرصدة مالية واستثمارات هائلة في شتى أنحاء العالم، يضمن لها الرخاء والرفاه  الاقتصادي لقرون. لذلك استخدمت بعضاً من هذه الثروة لشراء الضمائر والذمم، ومؤسسات الإعلام، وشركات العلاقات العامة، والسياسيين من أصحاب النفوذ، وبرلمانات، وجيوش، وحتى حكومات بما فيها الحكومة الأمريكية نفسها، حيث تأتي السعودية بالمرتبة الثانية بعد إسرائيل في المنطقة في التأثير على الإدارة الأمريكية. وبلغ تأثير المال السعودي حتى على مجلس الأمن الدولي الذي أصدر قراراً في تأييد حرب السعودية على اليمن وضد الحوثيين.
كذلك، أفادت دراسات أمريكية أن السعودية صرفت نحو مائة مليار دولار خلال ثلاثة عقود الماضية على نشر التطرف الديني الوهابي في العالم. فالسعودية وراء تأسيس ودعم المنظمات الإرهابية في العالم، و تعمل على نشر الفوضى وتدمير البلدان العربية، وخاصة العراق وسوريا من خلال دعم الإرهاب، لأسباب طائفية وسياسية واقتصادية، وقد جئنا على ذكرها بشيء من التفصيل في مقالات سابقة لنا(1)
وملك السعودية الذي يلقب نفسه بخادم الحرمين الشريفين، ويدعي أنه حامي حمى الإسلام والمسلمين في العالم، هو أول من تجاوز على أهم مبدأ من مبادئ الإسلام، حيث شن الحرب على الشعب اليمني الفقير في شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم التي حرم الله فيها الحروب.
أما أمريكا فتدعي أنها تريد نشر الديمقراطية في العالم، وبدأت بالعراق، فأسقطت لنا مشكورة أشرس نظام دكتاتوري متوحش عرفه التاريخ. وكرد للجميل، قدمنا لها الشكر والامتنان على فضلها هذا، وطالبنا، ومازلنا نطالب، بعلاقة استراتيجية طويلة المدى بين العراق والدولة العظمى. ولكن مع الأسف الشديد يبدو أن الإدارة الأمريكية، وبتأثير من السعودية والدول الخليجية الأخرى وإسرائيل، لها أجندات أخرى تتضمن تفتيت العراق وسوريا والمنطقة إلى دويلات ضعيفة تبدد طاقاتها البشرية والمادية في حروب مدمرة فيما بينها لا تبقي ولا تذر، خدمة لإسرائيل، ولإبقاء الأنظمة الخليجية القبلية المتخلفة لأطول فترة ممكنة. كما وتريد أمريكا من الحكومة العراقية معاداة إيران كما كان في عهد المقبور صدام حسين، وهذا مستحيل، في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا للتقارب مع إيران، وهذه ازدواجية ونفاق من إدارة أوباما.
قبل أن يصبح نائباً لرئيس الجمهورية، قدم السيد جو بايدن مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات، فلقي الرفض الشديد من قبل العراقيين عدا حكومة إقليم كردستان ولأسباب معروفة ومقبولة. فتراجع الرجل عن مشروعه عندما صار نائباً للرئيس، وأعرب عدة مرات عن حرصه وحرص الإدارة الأمريكية على الوحدة العراقية.

وفي السنوات ألأخيرة من ولاية السيد نوري المالكي كرئيس للحكومة، صعَّدت إدارة أوبما نغمة “تهميش السنة والكرد” من قبل “الحكومة التي تقودها الشيعة الموالية لإيران”، وفرضوا شرط تشكيل حكومة “جامعة inclusive” تضم جميع مكونات الشعب العراقي، وكأن حكومة المالكي لم تكن كذلك، فكان ما كان من إعتصامات في المحافظات الغربية، ورفع وترديد شعارات وهتافات طائفية مسيئة يندى لها الجبين. والجدير بالذكر أن الدواعش هم الذين كانوا يقودون هذه الاعتصامات “السلمية”، فمن تلك الساحات أسسوا ورشات تفخيخ السيارات لقتل أبناء شعبنا في بغداد وغيرها. ولما فشلت هذه المحاولات في إسقاط حكومة المالكي، جاؤوا بـ”داعش” لتحقيق ما فشلت الانتخابات من تحقيقه، فتم إزاحة المالكي، واختيار الدكتور العبادي الذي شكل الحكومة الجديدة الجامعة وفق ما أفرزته الانتخابات، تماما كحكومة المالكي، لأنه لم يستطع تجاوز ما أقره الدستور. فهدأت العاصفة لفترة وجيزة ثم تجددت، لأنه وكما يبدو، هناك أجندات أشرنا إليها أعلاه ولا يمكن للعبادي قبولها. لذلك طلعوا علينا الآن بنغمة جديدة وهي (مشروع القرار الأمريكي في التعامل مع الكرد والسنة كدولتين مستقلتين).
حيثيات مشروع القانون الأمريكي
وكما أفادت وكالات الأنباء، يتضمن مشروع القانون منح مساعدات أمريكية إلى بغداد بقيمة 715 مليون دولار لتطوير القوات العراقية لمحاربة “داعش”، ويغطي 25% من هذه المساعدات الأمريكية إلى قوات البيشمركة، وفي حال مرور ثلاثة أشهر بعد تمرير المشروع ولم تتمكن بغداد من موافاة بعض الشروط فسيتم تجميد 75% من المساعدات لبغداد، وإرسال أكثر من 60% منها مباشرة للأكراد والسُنة والتعامل معهما كـ”دولتين مستقلتين” وتدريب قواتهم على يد القوات الأمريكية ومن دون تدخل الحكومة العراقية.
ورداً على هذا المشروع الابتزازي والاستفزازي الخطير، كتب عنه عدد غير قليل من الزملاء الكتاب، وصدرت تصريحات مختلفة من سياسيين، وبدرجات متفاوتة من ردود أفعال، بعضها متشنجة وبانفعالية شديدة مثل تهديدات “القائد الضرورة” السيد مقتدى الصدر بضرب المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة! وأخرى تتفاوت بين الانفعال الشديد والهدوء والعقلانية.
وعلى المستوى الرسمي، رفض رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي هذا المشروع، مشيراً الى أن “أي دعم خارجي للعراق في حربه ضد الارهاب يجب ان يكون عن طريق الحكومة العراقية والحفاظ على سيادة العراق ووحدة أراضيه، فهذه المشاريع تضعف الجهود لمحاربة داعش وتؤدي الى استقطاب في المنطقة.”(2)
كذلك صوَّت البرلمان العراقي بـ 170 نائب من التحالف الوطني (أغلبية مريحة) على قرار يتضمن الرفض للمشروع الأمريكي، وقد انسحب نواب الكرد والسنة حيث رفضوا التصويت على وحدة العراق
(3). والجدير بالذكر أنه حتى ظافر العاني، المعروف بمعارضته للحكومة، رفض هذا المشروع، واعتبره مشروع لتقسيم العراق.
ورب ضارة نافعة، لعل هذه هي المرة الأولى التي تفشل كتلتا الكردستاني والسنة في ابتزاز كتلة التحالف الوطني ومنعها من ممارسة حقها كأكثرية في التصويت على قرار، وهذا النجاح من شأنه أن يضع حداً لتهديدات الأقلية بمنع الأكثرية من أخذ القرار الصحيح لصالح العراق، وعلى نواب التحالف الوطني وغيرهم، السير قدماً في التصويت في مثل هذه الحالات في المستقبل لما يخدم المصلحة الوطنية وأن لا تذعن لأي ابتزاز.
 
ونتيجة لهذا الرفض من غالبية العراقيين، الرسمي والشعبي، اتصل نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، برئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أبلغه “بأن الرئيس باراك اوباما سيطعن بقرار الكونغرس الأخير بشأن الكرد والسنة، وأنه سيقف بالضد من مثل هكذا مشاريع″.(4). كما وأصدرت لجنة القوات المسلحة بالكونغرس بياناً جاء فيه: “لا ننوي التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وانتهاك سيادته.”(5)
وأخيراً، في لقائهما مع رئيس الإقليم، السيد مسعود بارزاني، صرح الرئيس أوبما ونائه جوبايدن أن أمريكا حريصة علة وحدة العراق الديمقراطي الفيدرالي، وأنها مستعدة لدعم البيشمركة بالتنسيق مع الحكومة العراقية.(6)
وهكذا ولحد كتابة هذه السطور، يبدو أنه تم إجهاض هذا المشروع المشبوه، أو وضعه على الرف. ولكن رغم كل هذه التطمينات والتأكيدات من قبل الإدارة الأمريكية على الوحدة العراقية، إلا إن هذا لا يعني نهاية المحاولة، إذ سيبقى المشروع كسيف ديموقليس، معلقاً بخيط رفيع على رقبة الحكومة العراقية.
والسؤال هنا: ما الغرض من تقديم هكذا مشاريع لقوانين استفزازية مسيئة للعلاقات بين العراق وأمريكا؟ الجواب هو أن هذه هي الطريقة الأمريكية، إذ كما قال عنهم تشرتشل “أن الأمريكان لا يسلكون الطرق الصحيحة لحل المشاكل إلا بعد أن يستنفدوا جميع الطرق الخاطئة”. فنتيجة لفلسفتهم البراغماتية، يحاول الأمريكان ابتزاز غيرهم بمختلف الوسائل، وإذا فشلوا يتراجعون. وربما مشروع هذا القانون أو القرار كان عبارة عن بالون اختبار لجس نبض الشارع العراقي حول تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، ولابتزاز حكومة العبادي ودفعها لمعاداة إيران وإلغاء الحشد الشعبي.
والمشكلة ليست في تقسيم العراق، فالتقسيم الاختياري الحر أفضل من وحدة مفروضة بالقبضة الحديدية كما كان الوضع قبل 2003. وأنا بالتأكيد مع استقلال كردستان. ولكن المشكلة هي ما بعد التقسيم، حيث احتمال الاحتراب بين هذه الدويلات على الحدود، ما لم يتم التقسيم تحت إشراف الأمم المتحدة، وبدعم وضمانات من القوى الكبرى. فأمريكا كما بينا أعلاه، تحت ضغوط وتأثير من إسرائيل والسعودية، تريد من العراق معاداة إيران، في الوقت الذي تقدم فيه إيران المساعدات العسكرية للعراق في حربه مع داعش. ولذلك فمعاداة العراق لإيران تعتبر ترك العراق، وخاصة الشيعة الذين يشكلون نحو 60% من الشعب العراقي، تحت رحمة السعودية ومنظماتها الإرهابية الوهابية التي تعتبر إبادة الشيعة واجباً دينياً مقدساً، وضماناً لهم في دخول الجنة وفق التعاليم الوهابية. لذلك، فعلى إدارة الرئيس أوبما أن تعيد النظر في سياستها إزاء العراق وفهم التركيب الاجتماعي والقومي والديني للشعب العراقي، وألا تدفع العراق إلى المزيد نحو إيران. فمن الضروري أن تكون علاقة العراق بإيران جيدة ومتكافئة، وهذه العلاقة ليست في صالح البلدين المتجاورين وأمن المنطقة فحسب، بل وفي صالح أمريكا نفسها أيضاً.
وإذا ما قدِّرَ لهذا المشروع أن يتحول إلى قانون، ونفذته الإدارة الأمريكية، فالخاسر الأكبر هم العرب السنة. لذلك نجد عقلاء السنة من أمثال الشيخ الدكتور خالد الملا، والفريق فائق السامرائي، والنائب مشعان الجبوري، وحتى النائب ظافر العاني، بدؤوا يشعرون بخطورة هذه المؤامرة ضدهم، فأدانوها.
ما هو الحل؟
أقترح على الدكتور حيدر العبادي، بصفته رئيس للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ما يلي:
أولاً، أن يسأل الرئيس أوباما، ما هو مفهومكم يا سيادة الرئيس، لحكومة عراقية جامعة؟(inclusive government)، مع الالتزام بشروط الديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات. فالديمقراطية ترفض الابتزاز، وحق النقض من قبل الأقلية ضد الأكثرية.
ثانياً، ليس من مصلحة العراق والمنطقة أن يعادي إيران. أما توتر العلاقة مع السعودية والدول الخليجية فهذه الحكومات هي التي تبنت معاداة عراق ما بعد صدام، و بدأت التوتر لأسباب طائفية، وافتعلت ضجة العزل والتهميش، والغرض منها حرمان المكون الشيعي من التمتع بحقوق المواطنة والمشاركة العادلة في السلطة وفق الدستور. فهؤلاء يريدون إفراغ الديمقراطية من معناها وفحواها ويجعلونها ديكتاتورية الأقلية بلبوس ديمقراطي مزيف.
ثالثاً، البعث أسوأ من النازية والفاشية. فكما تم تجريم النازية والفاشية واجتثاثهما في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، كذلك من الضروري تجريم البعث واجتثاثه في العراق، وهذا الشرط لن نتخلى عنه أبداً. وهو ليس اجتثاث السنة كما يدعي البعض ولأغراض خبيثة.
رابعاً، أقترح على الدكتور العبادي أن يدعو إلى عقد مؤتمر موسع يضم القيادات السياسية لجميع مكونات الشعب العراقي، ويسألهم: ماذا يريدون بالضبط؟ ويخيِّرهم بمنتهى الصراحة بين البقاء مع العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد، واحترام الدستور، وتشكيل الحكومة وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، دون أي ابتزاز من أية جهة بحجة المقبولية وغيرها، أو الانفصال الاختياري.
فاختيار من يمثل أي مكون سياسي في السلطة يعود إلى الناخبين من ذلك المكون وليس من “مقبولية” أو رضى أو رفض قياديي المكونات الأخرى كما حصل ضد السيد نوري المالكي، وقبله للجعفري، وغداً للعبادي. إن تجربة إزاحة المالكي وفق فذلكة “المقبولية”، يجب أن لا تتكرر مطلقاً في المستقبل. ففي حالة رفض الأغلبية للتعايش السلمي في عراق ديمقراطي موحد، يجب إجراء استفتاء شعبي، يستفتى فيه كل مكون فيما إذا يريد الانفصال أو العراق الديمقراطي الموحد وفق الدستور الحالي؟
 فالانفصال السلمي الاختياري الحر أفضل بكثير من وحدة مفروضة بالقوة، والتي من شأنها تفشي الإرهاب وعدم الاستقرار، وحروب الاستنزاف مع العصابات الإرهابية المدعومة من قبل السعودية وقطر وتركيا وحتى الأردن.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.