مصطفى البارزاني والخيار الصعب! – كفاح محمود كريم


لقد ورث الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني حملاً ثقيلاً من أسرة زرعت بذور التمرد والثورة في ذاكرة الكورد وتاريخهم منذ اكثر من قرن من الزمان، فهو شقيق الشيخ عبد السلام بارزاني والشيح أحمد بارزاني، اللّذان سطرا أولى أبجديات التمرد ضد العادات والتقاليد البالية والطاغية، بل رسموا خارطة طريق ثورة اجتماعيّة قبل أن تكون سياسيّة، جعلوها وسيلة وأداة لإحداث تغييرٍ اجتماعي متقدمٍ في مجتمعات أقرب للبداوة منها للمدنية، رغم أن قومهم يتشاركون العيش عبر حقب التاريخ مع العرب والفرس والترك وما آل اليه هذا العيش المشترك الى انتقال العادات والتقاليد بين هذه المكونات، إلا أنهم حافظوا على خصوصيتهم بشكل منقطع النظير إزاء ما واجههم من تحديات الاذابة او الاحتواء، ورغم ذلك لم يشعروا بأن الآخرين أقوامٌ أقل منهم شأناً أو مكانةً إنسانية والعكس صحيح، بل انهم تبنوا عبر تاريخ هذه الشعوب قضاياهم وآلامهم وساهموا في بناء هذه البلدان والأوطان واندمجوا في تفاصيل حياتهم وناضلوا من أجل العيش معاً، وقتل لأجل ذلك مئات الآلاف منهم دفاعا عن قضايا تلك الشعوب، رغم محاولات الآخرين في إذابة الكورد واحتوائهم وإلغاء هويتهم القومية تارةً باسم الدين، وتارةً أخرى على خلفية شوفينيّة عنصريّة استعلائيّة، وسرقة تاريخهم أو مسخه بما لا يترك أثراً حضارياً لهم رغم مساهمتهم في مفاصل القيادة الأولى في لكيانات سياسية كما فعل صلاح الدين الأيوبي، حينما تجاوز قوميته لصالح الدولة الدينيّة الإسلاميّة، ومثل ما فعل هذا فعل المئات من أمثاله في حقول الثقافة والآداب والعلوم والفنون للفرس والعرب والأتراك.
ولم يشفع هذا السيل من الذوبان والمشاركة الأصيلة في منع أصحاب القرار لمئات من السنين في فكرة قبول الكورد كياناً سياسياً وقومياً مستقلاً، لا في الجزء الذي ادمج مع العرب ولا في الجزأين الذين تم دمجهما مع دولتي فارس والأتراك، بل راح الأخوة الأعداء يمعنون في برامجهم وسياساتهم بكل الوسائل على تمزّيق كوردستان وصهر شعبها، تارةً كونهم أتراك الجبال وتارةً الأخ الأصغر وتارةً أخرى في التعريب والاذابة تحت شعارات دينية براقة، ولمئات السنين لم يرتضِ الكورد الاستكانة أو الامتهان، فقامت لهم انتفاضات وثورات وعاشوا أزماناً من القهر والقتل والتشرد والتهجير والتفقير، حتى انقسموا أربع أجزاء في أربعة دول، وآلافٍ من العشائر والقبائل واللهجات والثقافات، وأعراض رهيبة لشعب أسير ومعتقل في وطنه من اختلاف الولاءات والاتجاهات، حتى غدت القرية والعشيرة هي الأساس في الارتباط والانتماءات، وتسطيحٌ للمفاهيم والتعليم ومنع اللغة ونشر الأميّة وتسييدِ جهلة ونكرات، حتى ظن القوم إننا ضعنا في طوفان الإلغاء والأنفالات.
من يجمع هذه الأمة التائهة بين ذئاب ووحوش كاسرة من كل الجهات وقطعان من التخلف وطوفان من التشتت والاستلاب والتغييب وعشرات من اللهجات وملايين من علامات الاستفهام والاستفسارات، وانتماء لقرية أو عشيرة أو دين أو فكر، لكنها جميعاً كانت بعيدة عمّا يفكر به ثلة من رجال صاحبوا الشمس في ظلمة الليل، وفارس جليل يحمل شعلة كاوه وفوانيس ميديا وذرى جبال امتدت على خارطة الوطن المجزأ كبرياء وعنفوان وجود، كان ذلك في أواخر النصف الأول من القرن الماضي وأواخر عامه السادس والأربعين، وتحديداً في السادس عشر من آبٍ اللهاب بأيّامه وأحداثه الّتي ستغير مجرى التاريخ والأحداث.
تحديات في إرثٍ ثقيل!
هناك؛ جمع الزعيم البارزاني مصطفى الشيخ محمد، شقيق الشيخ عبدالسلام محمد بارزاني، الّذي انتفض مطلع القرن العشرين مطالباً بحقوق شعبه التي هزّت عرش السلاطين في الاستانة، فشنّت حملة ظالمة ضده وضد رفاقه فأعدمتهم في الموصل عام 1914م، حيث تولى حركته الوطنية بعده أخوه، الشيخ أحمد البارزاني، يعاونه أخوه الصغير مصطفى البارزاني، إنه تاريخ أمة مشتتة ومصرة على الوجود وتحقيق الهوية والعنوان رغم اثقال القرية والعشيرة واختلاف اللهجات والانتماء للاشيء والتدين القروي وتعدد الفكر ومدارسه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وطبقات الناس من أدناها فقراً وعوزاً إلى أعلاها ثراءًا وإقطاعاً، وشرائح من ناس؛ أدباء وفنانين وعلماء وضباط ومتعلمين وأميين وأنصاف مثقفين وأرباع متعلمين وعلمانيين ورجال دين مسلمين وإيزيديين ومسيحيين وملحدين، من شرق الوطن وغربه ومن الشمال وأساسه في الجنوب، ليس للكورد فقط بل كان العربي والتركماني والاشوري والكلدان والارمن وغيرهم عناوين للفسيفساء الكوردستاني!.
من هذا الخليط المرعب والمعقد كانت البداية!
لم تكن كل هذه الخلطة الرهيبة من المتناقضات حد الاقتتال خالية من الأوجاع والآلام، فأين تكمن تلك الأوجاع المتكلسة عبر الأزمان.. أزمان وتاريخ من الضياع بين أمم حاولت أنظمتها السياسيّة مصادرة الهوية، ولم يكُ مهماً لديها أن تكون فقيراً أو غنياً، مثقفاً أم أميّاً حضارياً، مسلماً أو مسيحياً أو إيزيدياً، ماركسياً أو ليبرالياً، يسارياً أو يمينياً، المهم أن تذّوب في بودقتها، و من هنا أدرك البارزاني مصطفى ورفاقه الذين ابتدأوا المشوار، إن السر في جمع كل هذه المتناقضات في كوردستان، يكمن في البحث عن خارطة الهوية المشتركة، وفي تنظيم يضمها جميعاً بسلام دونما احتكاك ثانوي وفرعي، وكانت الخطوة الأولى في تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
أنه مؤسسة وطنية قومية أكثر منه حزباً!
لم يكُ حزباً تقليدياً كما الأحزاب في كل مكان، يمثل شريحة أو طبقة أو ديناً أو عرقاً، بل كان مؤسسة قومية ووطنية وإنسانية، احتضنت كل أطياف وشرائح وطبقات وأعراق وأديان حول ما كان ينقصهم جميعهم وهو الهوية والعنوان. فكان بحق مؤسسة ديمقراطية تزهو فيها كل النظريات وتلتحم حولها كل الأيديولوجيات والطروحات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يجمعها ثابت واحد ونهج بلوَر سلوكياته وتطبيقاته الزعيم، مصطفى البارزاني، وأبدع في جمع شمل كل هذه المتناقضات في بوتقة مؤسسة قومية تضم آلام وأوجاع الملايين من الكوردستانيين في كل مكان، حتى غدت خلال أعوام مناراً لكل الأحرار، لا في كوردستان لوحدها، بل لكل العراق من أقصى جنوبه إلى أقصى غربه، فلم يتبنَ هذا التنظيم البارزاني مبدأً عرقياً عنصرياً أو طبقياً محدداً، بل كان كوردستانياً منذ اللحظة الأولى فجمع بين صفوفه الكورد والتركمان والعرب والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان، وآخى بين المسلمين والإيزيديين والمسيحيين في ثابت الوطن والهوية والعنوان، ولم يلغ خصوصية أي مكون عرقي أو طبقي أو فكري لحساب نظرية أو فكر معين، وبذلك نهضت مؤسسة وطنية وقومية كبرى أفرزت فيما بعد ثورتها الكبيرة في أيلول 1961.
إدراك ما فوق الطبقيات والعرقيات
لقد كان البارزاني مصطفى يدرك بحسه العميق وفهمه لطبيعة كوردستان وشعبها وآلامها عبر مئات السنين إن نظرية أو إيديولوجية قومية أو عرقية أو دينية لن تفلح في جمع مكونات ومتناقضات هذا البلد حول ثابت واحد يدفعها برمتها إلى النضال والكفاح من أجل هدفٍ واحد ألا وهو كوردستان الوطن الحلم، وبذلك أصبح الحزب الديمقراطي الكوردستاني ملاذاً لكل الأحزاب الوطنية في كوردستان والعراق وحضناً دافئاً وكريماً لكل الاتجاهات الفكرية والسياسية بتنوعها من اليمين إلى اليسار، وملاذاً لكل طبقات المجتمع وشرائحه، فكان البارزاني مصطفى مناراً تلتقي عنده كل هذه المكونات وكأنه يمثلها جميعاً وهو كذلك، لم يكن ملكاً لحزب أو عرق أو دين أو طبقة بقدر ما كان زعيماً وطنياً وقومياً ومؤسسة كوردستانية، يجد الجميع فيها ما يصبو إليه، ومنذ البداية تبنى الحزب أرقى ما أنتجه العقل البشري في نظم العلاقات الاجتماعية والسياسية وهي الديمقراطية، بل وجعلها هدفاً استراتيجياً من أهدافه في كوردستان والعراق، وربط بعلاقة جدلية بين الديمقراطية في العراق وتحقيق أهداف شعب كوردستان فكان شعاره الذي ناضل من أجله:
الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق
إن سرّ ديمومة هذا الحزب هو انتهاجه لسلوك وطروحات وأخلاقيات قائده التاريخي الزعيم الخالد، مصطفى البارزاني، الذي حول الحزب إلى مؤسسة قومية كوردستانية ذات أخلاقيات سامية تلتف حولها كل شرائح المجتمع وطبقاته وأعراقه حول ثابت الهوية والعنوان لوطن مغيب منذ آلاف السنين في حركة تاريخية للنهوض الوطني والقومي.
إن العودة للينابيع الأولى في نهج البارزاني لمعالجة التناقضات والإشكاليات التي تفرزها كل حقبة ومرحلة كفيلة بحلها والتسريع في الانتقال إلى مرحلة أكثر تطوراً واستقراراً، معتمدين على أساس أخلاقي رفيع ألا وهو أن الخلاف مع بغداد ليس خلافاً مع الشعب العراقي بل مع النظام الطاغي والظالم الذي يحكمنا جميعاً ويُنزِل ظلمه وطغيانه علينا جميعاً.
kmknfo@gmail.com

المقالات والبحوث تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.