منهج الطاقة الكبرى في قصيدة (الريل و حمد ).. – جاسم المطير


الحلقة7
لم اتخلّف عن (التقدم) و (المعاصرة) في كل ما يحدث من نهجٍ في (التاريخ الحديث) يؤثّر على اهالي مدينة البصرة ، و انا منهم ، سواء أكان ذلك في شؤون الأدب او السياسة او عن بدعة و صناعة وسائل تمزيق صور الحرية و الديمقراطية في عيونِ شعبٍ كان يُساق الى العمى و المجازر او الى الموقف الجبان امام الموت . كانت كل كلمة او حدث او قضية من قضايا المجتمع تتغيّر، أو تواجه حالة معينة من حالات التغيير ، تجعلنا، نحن البصراويين، لا ننفصل عنها. نُمسي ، على الفور ،

مع اغلبية الناس في (المدينة – الميناء) موحدين بمنطقِها و نهجِها. لذا تطوّرت ، بسرعة ، تشكيلات النمو الواعي في مرحلة طفولتي و بدايات عمري ، في فترة المراهقة ، على نفس ما يجاور حدود ما يتغير او يتبدل في سماء البصرة و أراضيها بجميع ضواحيها ، لأن ما يسكن فيها و يتحرك ، هو نفس ما يسكن و يتحرك بمواني الدول المجاورة و جميع العالم ، بسبب نعمة ارتباط الموانئ ببعضها ، من خلال البواخر البحرية المتنقلة .
كما غزتْ صفوف الشباب البصراوي مناهج من طاقة الحرية و أمالها بين معطيات التفاعل مع (نظرية) القوة البدنية بتناول ممكنات الميزة الباطنية و الظاهرية المتفاعلة مع (التمور) ، حيث نسمع ما يقال عنها ان تناولها هو فعل من أفعال صحة و ارتقاء العقل و الجسد.
منذ ذلك التاريخ اعتمدتُ على هذا الارتقاء بــ(التمر) ، باعتباره المادة الأولى لتسهيل التطور . ظلّ مصيري مرتبط بهذا الشعار حتى اليوم . كنتُ و ما زلتُ، حتى اليوم، أحب أكل التمر مع اللبن . ثلاث تمرات و كأس لبن واحدة ، كل يوم ، على الأقل. كما احببتُ، منذ طفولتي ، حتى اليوم ، تناول الماء بارداً ، مثلجاً، في الشتاء مثل الصيف . لأ أدري هل ان الشاعر مظفر النواب شغوفً ، مثلي ،

و محبً بجمالية العلاقة بين اللبن و التمر ..؟
أظن انه مثلي منفتح على التحرك في تناول طاقة التمر و اللبن ، فقد ولدنا بسنة واحدة هي ١٩٣٤ و قد كانت أيامها ، جميعها، مليانة بالحوادث الكثيرة البرودة ، المحتاجة الى حرارة المزاج و البدن ..

كما القليل منها مليئ بالحوادث الكثيرة الحرارة ، المحتاجة – بنظري – الى المزيد من الماء البارد ، مخزوناً في داخلية البدن البصراوي ، الحارة بطبيعتها . اظن ان هذه الصفة البصراوية التي اعتدت على فعلها ، منذ طفولتي ، هي من نوع الصفة الغائبة عن الكواظمة و منهم الشاعر الكظماوي مظفر النواب .ربما اعتاد مظفر النواب على مسايرة تناول الماء المثلج بالصيف فقط .

هكذا هي الدنيا لكل انسان فيها منطقه الخاص و رغباته الخاصة .
من بعض أطراف الأحاديث ، مع مظفر النواب ، بأوقات مختلفة ، عرفتُ انه يعطف على بدنه بالقليل جداً من كميات الطعام ، بكل وجبة ، لكن من (نوع ) له اصل غذائي هيدرو – كربوني و من فصل فيتاميني و من نصل بلا دهنيات ، مع المزج بين اللبن و التمر ، تماماً كالمزج بين رجل تحاوره عن غبن ما ارتكب بحقه و بين حاكم مجازف لا كيل له ولا وزن .

لا شك ان الشاعر النواب لم يحذو حذو الشعراء الشعبيين ، قبله، رغم انه كان من المعجبين و المحبين للبعض منهم . كان يريد ان لا تكون العلاقة بين ( اللغة ) و (الشعر) مثل العلاقة بين ( اللبن ) و ( التمر) . كان يريد ان يمنح ( اللغة العامية) رقيّاً و سمواً، مثلما اراد و يريد ان يمنح ( الشعر الشعبي) تألقاً. بمعنى ان مساهمته في تطوير ( الشعر) لم تكن تقليداً للمحدثين الإنكليزيين و الإيطاليين و الألمانيين و الفرنساويين و اليونانيين و غيرهم . أراد ان يكون هو الشاعر العراقي المسمى مظفر عبد المجيد النواب .أن يكون شاعراً معتمداً على مستوى ما وصلت إليه نصوص الشعر الشعبي ، الشعر العامي، بقصد ترقية بنيانه التحتاني و العمل على أمانة البناء الفوقاني و المحافظة على خصائصه الأدبية .

كان قد استوعب حقيقة ان هذه الخصائص لا جدوى لها إنْ لم ترتفع تراكيب بنائها التحتاني و الفوقاني ارتفاعاً فنياً ، لغوياً و شعرياً . من الحق ان اقول ان مظفر النواب كان من الدارسين و المتابعين للروعة الفنية المتحققة بجهود وابحاث و ممارسات نازك الملائكة و بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي و بلند الحيدري و غيرهم من اجل الانضمام الى جماعة الثريا اللامعة بالشعر الحر ، الحديث و الفصيح.
لذلك بقدر حسن التغذية الشعرية النوّابية بلحمِ و دمِ أصولية الشعر الشعبي العراقي ، فقد جاءت قصيدة (الريل و حمد) و تجيء كل قصيدة مظفرية – شعبية ، بعدها، ليعطي القارئ الحكم فيها و اليها ، مجبراً على حبها إنْ لم يكن قد حفظها عن ظهر قلب . كل كلمة شعرية تأتيه ، كان يجد نفسه في حالِ استعدادٍ أنْ يتحمل تبعاتها و قلقها و ازعاجاتها ، حين يجد ان من النبل قولها ، بحق الظالمين، من دون أي خوفٍ من مقامِ المسؤول، المنتقد في سطورها او المسخور منه ، شعرياً، و (من دون ان يستثني احداً).
لا يرتعبْ من الإقدام على الضرب الدائم بالناقوس الثوري في مواقفِ اشعارهِ و قصائدهِ، السياسية الانفجارية او ذات العنف الأقل ، كي يكشف او يكتشف شيئاً جديداً ، حقاً جديداً من حقوق شعب الولاية ، التي يعيش فيها ، سواء كان بوقتٍ عظيمٍ من أوقات ثورة 14 تموز او بزمنٍ سمجٍ من جميع الأوقات و الأزمنة، التي واجهها قبل الثورة او التي عاشها في غربةٍ كانت عظيمةً في سماجتِها . لم يكن يرضى ان تسحقه اي ريح تأتي من تحرّكِ اصحابِ السَّعير ، الذي كان جذعه ممتداً الى جميع مباعدات الدولة البوليسية . كان شريان قلبه ، على يده، لا يحميه شيء من سهام بوليس الدولة و الأعداء غير شعره الشعبي ، الذي فيه سداد الرأي و قوامه. كان يحمل سفائن شعره ، كي يكون شاعراً، شعبياً ، حكّاءً ، غضباناً مثل غضب المتنبي و المعري . اراد ان يسقي شعره بمجدٍ من مائهما – بقصد ان يلتقط حصاد يديه و عقليته بما فعله النابغون من شعراء الفصحى.

ربما كان يفكر ببلوغ مستوى اكثر كمالاً – لثقته بما يملك من مخيلةٍ واسعةٍ ترى البحر و ما فيه ، من اولِ شاطئ فيه الى آخر واحدٍ منبسطٍ او مطويٍ بحجر . كان شاباً متعاقداً مع الاناقة في كل شيء . كما كانت وسامته مصدراً من مصادر التفاعل بينه و بين الحق ، بينه و العدل ، بينه وبين كل اضطراب سياسي او اجتماعي . كان في مشيته تواضعٌ فيه خجلٌ كثيرٌ لأنها كانت من نوع المشية السهلة ، التي لا تثير انتباهاً. لم يكن في جسده غلظة و لا قصر ولا فرطحة من اي نوع ، بسيط او معقد ، لا في يديه ولا في قدميه .

استدارته في اثناء مشيته داخل ساحة كرة القدم في سجن نقرة السلمان ، كانت استدارة خفيفة و بسيطة ، مما يدل على اكتنازه عضلات صحية مناسبة . لكن تعابير وجهه كانت في أكثرها تخشع الى حزنٍ دفينٍ في اعماقهِ و في اهوائهِ الاسلوبية الخاصة، في النظم الشعري، أو في بناء الهيكل العلوي لذراتِ القصيدة ، او عند تفاعلهِ الصوتي و انفعالِ طاقةِ و اسلوبيةِ إلقائهِ الشعر بطريقةٍ لا نجد تمثّلهِا لدى غيره من الشعراء ، سواء في عُرفهِا او في دويّها أو في تحزين شخصانيتها الفردية او تركيبتها الجمعية .

لا احد يعرف من اي شيءٍ جاءَ هذا الحزنُ الى وجهِ شاعرٍ اسمه مظفر النواب نشا بكنف عائلة متسلحة بعواطف الغنى و الجاه و النسب و هو لا يشكو من مرض ولا من ذعر فصار لا يشعر مطلقا بعظائم الاحداث الكونية و لا بالأحداث والفجائع ، التاريخية، لأنه واثقٌ بعدالةِ محمولةٍ في شعارات واهداف عقل و مشاعر الحزب المنتمي الى مدججاته الثورية .. وهو مذ كان فتىً يبدو أنه لا يخاف من النسور و الأسُود و الثعالب و غيرهم من الحيوانات الخائرة ، الخاثرة و المخثرة ، المرتدية لباس و اقنعة البشر ، للدفاع بمخالبها و ضواريها عن أنظمة الحكم القمعية .
كان صوت مظفر النواب ، مذ عرفتُ تكوينه الشخصي – الإنساني بنقرة السلمان ، فيه كثيرٌ من الوجعِ ، لكّن بكثيرٍ من القوة، لكي يطير ، بسرعة، و ليقيم في قلوب السجناء ، كلهم، في مكانٍ شديد القسوة ، شديد الظلمة ، غير ان الوعي فيه لا ينضب و لا تنضب عروق الشجاعة الإنسانية ، رغم ان (النقرة) شديدة الظلمة وفيها العيش يابساً ، اسوداً و ليس للسجناء المرميين فيها من يقيهم او يحميهم او يدافع عن حركة رقّاص ساعات حياتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع

المقالات والبحوث تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.