من وراء محاولة اغتيال الكاظمي؟- عبدالخالق حسين

أفادت وكالات الأنباء العالمية نقلاً عن مسؤولين أمنيين في العراق، عن نجاة رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي من محاولة اغتيال في أعقاب تقارير تحدثت عن ضربة صاروخية من طائرة مسيرة على منزله في المنطقة الخضراء ذات التحصينات الكبيرة في العاصمة العراقية بغداد في الساعات الأولى من فجر الأحد 7/11/2021.( BBC Arabic)(1)

وقال الكاظمي في تغريدة على تويتر إنه بخير داعياً إلى التهدئة وضبط النفس من الجميع، جاء فيه:
“كنت ومازلت مشروع فداء للعراق وشعب العراق، صواريخ الغدر لن تثبط عزيمة المؤمنين، ولن تهتز شعرة في ثبات وإصرار قواتنا الأمنية البطلة على حفظ أمن الناس وإحقاق الحق ووضع القانون في نصابه. أنا بخير والحمد لله، وسط شعبي، وأدعو إلى التهدئة وضبط النفس من الجميع، من أجل العراق”.(نفس المصدر-1)

فيا ترى ما هي الجهة وراء هذه العملية الإجرامية الجبانة؟
والجدير بالذكر أنه لحد كتابة هذه السطور (7/11/2021)، لم تصرح أية جهة عن مسؤوليتها عن هذه المحاولة الإجرامية الفاشلة. ولكن الكل يعرف أن محاولة الاغتيال سبقتها خلال الأيام الماضية تظاهرات واعتصامات في المنطقة الخضراء من قبل قوى سياسية ومليشيات مسلحة موالية لإيران، احتجاجاً على نتائج الانتخابات المبكرة الأخيرة، التي كشفت عن هزيمة التنظيمات الموالية لإيران(2). وهذه التظاهرات كانت تهدد رئيس الوزراء وتشتمه وتستهين به، وتصفه بأقذع النعوت. إذ كما جاء في تقرير لصحيفة الإندبندنت العربية: أن محاولة اغتيال الكاظمي أتت بعد ساعات على تهديدات أطلقتها ميليشيات موالية لإيران.(3)
كذلك قادة هذه التنظيمات (هادي العامري رئيس كتلة الفتح، وقيس الخزاعي رئيس عصائب أهل الحق، وأبو حسين الحميداوي زعيم كتائب حزب الله العراقي)، شككوا بهذه النتائج وراحوا يهيجون الجماهير ضد الحكومة، ويرددون أن مؤامرات دولية وداخلية تدخلت في الانتخابات وزيفت نتائجها ضدهم، وتلقي اللوم على الكاظمي.

وبناءً على تلك الاعتراضات استجابت مفوضية الانتخابات لجميع الشكاوى المشروعة، وقامت بالعد اليدوي الذي كشف عن تطابق نتائجه 100% مع العد الإلكتروني. ولكن لم يقتنع “المشككون”، فلجئوا إلى التظاهرات والاعتصامات في المنطقة الخضراء، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل وحتى تهديد الدولة العراقية. وفي هذا الخصوص يُنقل عن زعيم كتائب حزب الله، الحميداوي قوله: إنه لن “يسمح لأحد، كائنا من كان، بالعبث بسلاح الميليشيات. ويقصد المليشيات الموالية لإيران.(4)

وفي هذا الخصوص يقول الخبير العراقي في الشؤون الأمنية، محمد الوائلي، إن “تصريحات الحميداوي هي تحد صريح للدولة العراقية، بل وحتى للمرجعية الدينية التي أفتت بتشكيل الحشد الشعبي، ومن ثم أفتت بأن السلاح يجب أن يبقى تحت سيطرة الدولة وحدها”.(نفس المصدر-4)

والحقيقة أن هذه الجهات السياسية المليشياوية المسلحة الموالية للولي الفقيه الإيراني تعيش في حالة وهم شديد، إذ تعتقد أنها تمتلك الحق الإلهي لحكم الشعب العراقي وعلى الرغم من إرادة الشعب. بينما الحقيقة تؤكد أن الانتخابات الأخيرة نالت شهادات دولية على نزاهتها، ونتائجها كشفت عن رفض غالبية الشعب العراقي للتدخل الإيراني، والمليشيات المسلحة الولائية.

لذلك فلم يكن هناك أدنى شك أن الجهة التي قامت بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة السيد مصطفى الكاظمي هي نفس الجهات المليشياوية التي فشلت في الانتخابات، و لجأت إلى ممارسة العنف على شكل اعتصامات وتظاهرات وتحد القوى الأمنية، وأخيراً القيام بمحالة الاغتيال.

ما أشبه اليوم بالبارحة
إن محاولة اغتيال الكاظمي اليوم من قبل القوى السياسية المليشياوية الموالية لإيران تذكرنا بالمحاولة البعثية الفاشلة لاغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959 من قبل حزب البعث، المحاولة التي شارك فيها مجرم العصر المقبور صدام حسين، ولنفس الغرض. فمحاولة البعث تلك سبقت ومهدت لانقلابهم الأسود في شباط 1963 الذي مازال العراق يئن من كوارثه. لذا فلا نغالي إذا قلنا أنه رغم الفوارق بين ظروف المحاولتين والشخصيتين المستهدفتين، إلا أن هناك تشابه كبير في الهدف، وهو إغراق العراق في فوضى عارمة لتحيله إلى خرائب وأنقاض تهيمن عليه إيران. فمحاولة اغتيال زعماء الحكومات هي سياسة متبعة من قبل البعث المقبور، و المليشيات الموالية لإيران. فقد قامت هذه المليشيات باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري عام 2005، والآن نرى ماذا حل بلبنان من خراب ودمار. ونفس المأساة نراها في اليمن وسوريا. لذا فهدف هؤلاء من محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي هو تفتيت العراق إلى دويلات يسهل بلعها من قبل دول الجوار. فالإسلام السياسي لا يؤمن بالدولة الوطنية أساساً.

لا شك أن المعتدين الآثمين كانوا ومازالوا ينوون إشعال الفتنة من هذه الجريمة النكراء، وهي اقتتال شيعي- شيعي بعد أن أحرقوا العراق بالاقتتال السني- الشيعي. إنهم لا يختلفون عن طالبان أفغانستان في درجة العنف والغايات النهائية الدنيئة، وعلى رأسها تعطيل التقدم الحضاري، وإعادة شعوبنا البائسة إلى الوراء. فلو كانت طالبان أفغانستان شيعة لنالوا دعم وتأييد إيران والمليشيات الولائية في دول المنطقة.
ألا شُلت أيدي المعتدين الآثمين، وكيدهم في نحورهم، إذ كما تفيد الحكمة: “رب ضارة نافعة”. فهذه الجريمة ستقوي من مكانة الكاظمي في الداخل والخارج… إذ كما قال نيتشة: «ما لا يقتلني، يزيدني قوة». لقد فضح هؤلاء القتلة ومَنْ وراءهم ، أنفسهم بجريمتهم هذه، لذلك فلا بد أن يكون مصيرهم في مزبلة التاريخ.

وبناءً على كل ما تقدم، نهيب بكل الأخيار من أبناء شعبنا العظيم أن ينتبهوا إلى ما يحاك ضدهم من مؤامرات قذرة تستهدف دولتهم تحت مختلف الذرائع والواجهات الدينية والطائفية الباطلة. يجب أن ندعم الدولة العراقية، ونحافظ على سلامتها بكل قوة من كيد المعتدين. وهذه مناسبة يجب أن تستغلها الحكومة لحل المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة فقط. فهذه المليشيات هي ليست من الحشد الشعبي الذي صار جزءً من القوات النظامية بقيادة القائد العام للقوات المسلحة أي رئيس السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء)، خاصة وأن حصر السلاح بيد الدولة أفتت به المرجعية الدينة. إن لجوء القوى السياسية ومليشياتها إلى العنف ومحاولات اغتيال رئيس الحكومة لدليل واضح على إفلاسها الشعبي، والسياسي، والفكري والأخلاقي. وهم يعرفون أنهم منبوذون من الشعب العراقي، لذلك يرفضون تبادل السلطة بالوسائل السلمية، أي عن طريق صناديق الاقتراع، ويفضلون عليها العنف بالوسائل العدوانية المتخلفة.
فكما قال السيد مصطفى الكاظمي: ” إن الصواريخ والمسيِّرات الجبانة لا تبنى أوطانا ولا تبنى مستقبلا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.