ميراني وسلافة الفكر الديمقراطي- عبدالكريم الكيلاني

مرتان فقط التقيت به، وفي المرتين اللتين التقيت به فيهما، شعرت بأنني أقف أمام منظومة افكار سياسية متكاملة متجددة، لأنني قبلها كنت قد التقيت به مراراً على صفحات الجرائد وساحات الفكر المعتدل المترجم عبر مقالاته السياسية الفلسفية المتناثرة هنا وهناك والمجتمعة في بطون الكتب التي سمحت لي الظروف بقراءتها، لست هنا في موضع الكتابة عن سيرته السياسية أو الغور في تفاصيل شخصيته الحازمة التي تتميز بالواقعية السياسية والواقعية القيادية، بقدر ما أود التطرق الى بعض مفاصل البناء السياسي لبعض الأفكار والطروحات في مقالات السيد فاضل ميراني سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني والتي تندرج ضمن بوابة المرافعات السياسية التي أوردها السيد ميراني بأسلوبه الشيق الخاص به، والنمط الذي اختاره لقرائه، هذا النمط الذي يكشف بدوره عن العالم المفاهيمي للطرح والاشتغال العام الذي يحدد اهدافه الفكر المنفتح على الافكار الناتجة عن الثقافات الأخرى والذي يستوعب التضادات من أجل الوصول الى القيمة العليا لسلافة فكر ومنهج الحزب الديمقراطي الكوردستاني المطلوب ايصالها للمتلقي.
ليس غريباً أن من يحمل نهج وفكر هذا الحزب المناضل لا بد أن يرضخ لركائز تخليق المجتمع المسالم الذي يتساوى فيه الجميع أمام دستور الحياة، ويستظل تحت خيمته العربي والكوردي، المسلم والمسيحي، السني والشيعي، فاختلاف المذاهب والاطياف والقوميات يغني النسيج الاجتماعي للبلد، وهذا ما يؤكد عليه ميراني دائما في رؤيته لمستقبل كوردستان، بالرغم من الحيف والظلم والتهميش والاقصاء ومحاولات الالغاء التي دأبت عليه الحكومات المتعاقبة الحاكمة في العراق ، الا أن دولة كوردستان مستقبلاً يجب أن يعيش فيه الجميع تحت ظل القانون بحرية، فالاستحواذ او الرغبة بالاستحواذ والهيمنة ومحاولة عرقلة الحلم الكوردي بتكوين دولته، بدون وجه حق لا يؤدي الا الى الهاوية ونهايات سالكيه ومتبنيه خاسرة بالتأكيد، لذا فأننا دائما نرى بأن الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعلى لسان سكرتيره يؤكد على الأخوة العربية الكوردية، فالشعبين جارين منذ مئات السنين ولا ذنب لهما في ترويج العنف الذي كان وما يزال يدعو اليه القادة المتعاقبون الذين حكموا العراق بالحديد والنار، ولا دخل لهما بالقوميين العنصريين الذين كانوا يضعون العصا في عجلة المطالبة الشعبية الكوردية بالاستقلال، وهذا المطلب هو حق مشروع لكل الشعوب بما فيهم الشعب الكوردي الذي يبلغ تعداده اكثر من 50 مليون نسمة موزعين في العراق وتركيا وايران وسوريا وروسيا ودول اخرى كثيرة في مختلف اصقاع الارض، هنا يأتي التوقيت، وتوقيت اعلان الدولة الكوردستانية يخضع لظروف معينة واعلانها يتوقف على عدة أمور من اهمها ترتيب البيت الكوردي في الداخل للخروج بموقف موحد امام التحديات المفترضة لهذا المشروع القومي الذي ينتظره كل كوردي بفارغ الصبر، ويقول ميراني في احدى مقالاته بهذا الخصوص ” متى تستقل كردستان؟ نحن من يجيب، ونعرف الوقت المناسب، وهذا الوقت كان من الممكن ان يتأخر، لكن سوانا يعجل به” ولا يستبعد هنا في مقاله كل الاحتمالات والاسئلة المطروحة التي تفرض نفسها فيما يخص مستقبل العراق بعد اعلان الاستقلال ”  العراق بعدنا قد لا يكون افضل،  لان مفهوم السلطة اخذ منحى مغرقا في ممارسات القرون الوسطى لكن بأسماء حديثة “، اذا فكل الاحتمالات واردة والسياسة عنصر متغير وليس ثابت، والقرارات المصيرية للشعوب الحية غير قابلة للمساومة حتى لو حدثت مفاجئات قد ترهق من كاهل الدولة اليافعة أبان تأسيسها لكن بالتأكيد مصائر الشعوب تستحق التضحيات والشعب الكوردي يضحي منذ عقود والجميع شاهد على مسيرته نحو الحرية والتحرر والاستقلال.
اذا نحن أمام سياسي ومنظّر كوردي من الطراز الخاص،  يعتبره المراقبون صمّام أمان وحجر الزاوية ليس للديمقراطي فحسب بل ربما يعتبره الكثيرون وأنا منهم عرّاباً للعلاقات المتزنة بين الأحزاب الفاعلة العاملة والمؤثرة على الساحة، كونه يترجم دروس الساسة الكبار الى ارض الواقع في تعامله مع الأحداث والمتغيرات التي ينتجها الصراع الحزبي في ظل الأزمات.
للميراني صولات وجولات في التفنن بسرد الوقائع التاريخية واستشهاده بها في معظم عجالاته ومقالاته وطروحاته، ربما لأنه يؤمن بأن التاريخ هو امتداد للحاضر الموجود والمستقبل المجهول، وهناك ما يجمع هذه العناصر الثلاث، وما يميزه عن الآخرين هو وقوفه المواظب عند مفاصل التاريخ القديم والحديث، واستنباط العبر منه وتطويعه لخلق واقع سياسي آخر يتماشى مع مستجدات التطور الاجتماعي والحضاري.
ان التركيز على وعي الذات والارتقاء الفكري من خلال ضخ العناوين المساهمة في تطويع العقل الجمعي الايجابي نحو مرتكزات انسانية بحتة لتكوين بيئة اجتماعية معتدلة وترسيخ مفهوم الفكر باعتباره الأساس المحرك للانسان والمجتمعات المتحضرة هو الفارق المميز في اطروحاته بما يعزز لتسيير عجلة التطور داخل الحزب وداخل المجتمع الكوردستاني وكيف لا والسيد ميراني معروف بحكمته المعهودة كونه تلميذ نجيب في مدرسة البارزاني الخالد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.