نظرة في الحظر والمساءلة والعفو- علي علي

مازالت الكرات في ساحات البرلمان العراقي تتأرجح بين أقدام هذه الكتلة وتلك، وذاك الرئيس وهذا العضو، بشكل لايوحي بانفراج الأزمات قريبا، بل على العكس تزداد الفجوات وتتناسل الخلافات باطراد مع مآسي المواطن الذي بات يحلم بوطن آمن وعيش رغيد بأقل معدلات الأمان والرغد. ويبدو أن مصلحة رؤساء الكتل والأحزاب تكمن في إطالة أمد صراعاتهم ونكافاتهم وشدهم وجذبهم قدر مااستطاعوا، دون مراعاة وشعور بمعاناة ملايين العباد التي تنتطر بفارغ الصبر ساعات الانفراج على أيديهم. فهم يمارسون رسالتهم المهنية والإنسانية بعيدا عن الحيادية، وذلك بقلب بوصلتها لما يصب في مصالحهم الفئوية والشخصية تحت شعار؛ (كلمن يحود النار لگرصته).
 إن من أهم القوانين التي يتصارع عليها الساسة داخل حلبة البرلمان هي قوانين العفو والمساءلة والعدالة وحظر البعث.. وقد يبدو للناظر أنهم مساكين في هذا الصراع، إذ لامن ناصر لهم او معين في معركتهم مع بعضهم يحل إشكالاتهم فيما يتمشكلون فيه، إلا أن واقع الحال غير هذا تماما.. فمشيمة أغلبهم مازالت مرتبطة بأرحام وجهات خارج أروقة البرلمان، وبعضها خارج حدود الوطن أيضا.. فمن هناك تصدر الأوامر والتعليمات، ومن هناك تأتي الإيعازات بالرفض او الموافقة على القرارات والقوانين، وقطعا لكل فرد من هؤلاء ذرائع وحجج في الحالتين.
  فعلى سبيل المثال قانون العفو.. ومحاولات بعضهم المستميتة في إدارج المدانين بجرائم إرهاب تحت طائلته ليشملهم فيمن يشمل، فمنهم من يريد إطلاق سراح (جماعته وحبايبه) بعذر أنهم شاركوا في مقاومة الامريكان، مستندا بذلك الى الحق الشرعي والاخلاقي لكل انسان في الحفاظ على تربة وطنه والذود عنها، كذلك هو يتكئ على قرارات محكمة لاهاي عامي 1899 و 1907 التي أقرت مشروعية مقاومة المحتل. متناسيا من فجر دبابة امريكية وبجوارها عشرات العراقيين الأبرياء، فهو يجيز له الأولى وتعمى بصيرته وبصره عن الثانية، وما ذلك إلا لتحقيق خروجه من الحبس لإعداده جرائم أخرى، تزهق أرواح أبرياء جدد، فالعراق أمسى بنظرهم ساحة غنية في صيد ما يتصيدون، ومن خلال سقوط ضحايا ممن لاذنب لهم، تتغلب المصلحة الخاصة على مصلحة البلاد والمواطن، والتي تأتي بالمرتبة الألف عند الساسة وأرباب الكتل.
ومنهم من يريد إطلاق سراح (المساكين) من أزلام النظام السابق ممن أذنبوا بحق الشعب، بدافع انهم كانوا ينفذون الأوامر فقط، وكأن العقوبة تسقط من عاتق المذنب بتقادم السنين تحت شعار (الفات مات). والمتمسكون بهذا الشرط لهم غايات وأهداف، يرومون من خلالها الوصول الى أهداف أبعد رسمها لهم أسيادهم، وهم يرون ان غض الطرف عن المشمولين بقانون المساءلة والعدالة واجب انساني، فهم أصحاب عوائل وعين الرحمة هي الاولى بالنظر اليهم بها، متغافلين عن الابرياء من العوائل الذين راحوا ضحية جرمهم وافعالهم.
  ومن المتصارعين تحت قبة البرلمان من يستقتلون في محاولاتهم لإعادة الروح الى أشلاء جثمان تنظيم البعث، جاهدين في إحياء عظامه بعد أن صارت رميما، فنراهم يتمادون في إرجائهم قراءات قانون حظره، فيبعدونها الى قراءة ثانية وثالثة ورابعة، وإن وصلوا طريقا مسدودا في استعادة القراءة.. يلجأون الى طرق المقاطعة وعدم حضور جلسات المجلس وتعليق عضويتهم فيه، وهذه كلها طرائق متنوعة في أفانين وضع العصي في دواليب العملية السياسية.
 وتبقى هذه القوانين الثلاث حجر عثرة في طريق استتباب الأمن والأمان، ما لم يؤخذ فيها جانب الحدة والصرامة والبت بإقرارها، بحيثية لاتدع فرصة تعيد من الماضي حقبة لم يجنِ العراقيون منها غير الدمار والحروب والتخلف وضياع كثير من الحقوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.