نظرية التضاد بين الدين والسياسة؟!- عباس الكتبي

ظهر في الآونة الأخيرة وسط الشباب، حتى المتدين منهم، فكر يدعوا إلى عدم إدخال الدين في السياسة،وأخذ يسوّق عبر مواقع التواصل الأجتماعي بقوة، وترويج الكتب لهذا الفكر، وكثرة الطلب عليها من قبل الشباب.
هذا الفكر ليس وليد اليوم، وإنما هو موجود في البلدان إلاسلامية منذ زمن طويل، وهو ينام في فترة ما، ويصحو في فترة أخرى، إذا تهيأت مقدماته وأسبابه، مثلاً: كظهور داعش، وفشل الحزب الديني في قيادة الدولة، فيستغل أعداء الدين هذا الظرف، ويعيدوا نشره وترويجه من جديد، ويصبون نار غضبهم على الدين والمتدينيين، ويختزلونه بأشخاص، نسوا أو تناسوا قول أمير المؤمنين عليه السلام:(أعرفوا الرجال بالحق، ولا تعرفوا الحق بالرجال).
يرى هذا الأتجاه، إنه لا يوجد أي سنخيّة بين السياسة والدين، وإنه جاء لأصلاح آخرة الأنسان، ويطلب منه الزهد في الدنيا، وإنّ الدين يعلم أتباعه القيم والأخلاق الفاضلة، وأجتناب الدنيا، في حين السياسة، والسلطة والحكم، تتطلب الخداع والنفاق، والفساد وحب الدنيا، أذن فهما( الدين والسياسة) بينهما تضاد تام!.
الكاتب المصري محمد سعيد عشماوي، يرى الدين والسياسة، وفق المنظور في العالم الغربي، على غرار الكنيسة في القرون الأوربية الوسطى، والعلمانية الحديثة، يقول الكاتب في كتابه( الإسلام السياسي):(أن الله أراد للاسلام أن يكون ديناً، ولكن الناس أبو أن يجعلوه سياسة… أن تسيس الدين أو العكس سعيّ يمارسه الفجّار والأشرار، أو جهد طائش يصدر عن الجهال والحمقى..
لأنهم بذلك يفتحون الطريق أمام الانتهازيين ويجملون أعمالهم القبيحة من خلال تأييدها بآيات من القرآن الكريم، ويضفون شرعية على أطماعهم، ويغطون انحرافاتهم بهالة مشعة ومضيئة من الإيمان، ويظهرون ظلمهم وجورهم وسفكهم للدماء بوصفه عملا جهادياً)،هذا الكاتب يرى الأسلام من زاوية فكر الأخوان في مصر.
عند نقده نظرية التضاد بين الدين والسياسة، يتسآئل الباحث الاسلامي الدكتور( عبد الله حاجي الصادقي)، في كتابه(  فلسفة النظام السياسي في الاسلام)،ويقول: متى وضع الإسلام الدنيا مقابل الآخرة، وفي أي نص إسلامي تم ذم إعمار الدنيا وإدارة الشؤون الاجتماعية، ومعالجة المسائل المتعلقة بخدمة الناس، وتنظيم العلاقات الإنسانية، ومتى نهى الإسلام عنها؟! وما هي الآية أو الرواية، التي دعت الناس الى أعتزال الأمور الأجتماعية وتجنب السياسة؟!
ثم ينقل الباحث، قول للإمام الخميني:(تشكل نسبة الآيات الأجتماعية في القرآن، الى سائر الآيات العبادية، أقل من نسبة الواحد إلى المئة، وإنّ من بين الكتب الروائية والحديثية، البالغ عدد أجزائها ما يقارب خمسين مجلداً… لم يفرد للأحكام العبادية، والأحكام الفردية… سوى أربعة أجزاء… وأماّ سائر الأجزاء الأخرى، فهي مختصة بالقضايا الاجتماعية، والاقتصادية، والحقوقية، والسياسية، وإدارة المجتمع).
في كلام آخر للسيد الخميني( قده)، عبّر فيه عن أسفه وحزنه، بسبب نجاح هذه المؤامرة، وتأثيرها حتى على بعض علماء الدين، نقله نفس الباحث”د.عبد الله حاجي” يقول السيد:
(إنّ مسألة فصل الدين عن السياسة، مسألة تم تمويهها بشكلٍ متقن ومدروس، الأمر الذي انطلى حتى على وسطنا الديني، وأخذت كلمة عالم الدين السياسي، تعدّ سبّة في الوسط الديني..! وذلك لفرط ما تم تلقين هذه المغالطات وزرقها في أذهان الناس… وقد أوشكنا نحن أيضاً أن نؤمن بفصل الدين عن السياسة! فليشتغل عالم الدين بمحرابه وصلاته، وليذهب السلطان ليمارس أعمال السلب والنهب والسرقة، دون أن يخشى حسيباً أو رقيباً).
يوجد لدينا ندرة للأسف الشديد،  في علماء الأجتماع، والخطيب المنبري،ورجل الدين عندنا لا يجيب عن أشكاليات الشباب إجابة وافرة، التي يطرحها المختصون في علم الأجتماع من الجانب الآخر، أمثال:( شريعتي، وشروس)،بينما روايات أهل البيت عليهم السلام مكتضة في هذا الجانب، وبالتالي سنفقد ونضيّع الكثير من الشباب المؤمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.