نيويورك تايمز: روبوت اسرائيلي قتل العالم النووي الايراني فخري زادة

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً موسعاً بالإنكليزية والفارسية، يكشف تفاصيل عملية اغتيال إسرائيل العالم الإيراني الأبرز في البرنامج النووي، محسن فخري زادة. وكشفت الصحيفة في تقريرها الذي أُعدّ بالاعتماد على سلسلة مقابلات مع مسؤولين استخباريين أميركيين وإسرائيليين لم تذكر أسماءهم، أن عملية الاغتيال نُفِّذَت باستخدام “روبوت” متطور.

تذكر “نيويورك تايمز” أنه منذ عام 2004، عندما أمرت حكومة إسرائيل الموسادَ بمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية، كان الموساد ينفذ حملة تخريبية وهجمات إلكترونية على منشآت تخصيب الوقود النووي الإيرانية. وكان يستهدف بشكل ممنهج الخبراء الذين يُعتقد أنهم يقودون برنامج الأسلحة النووية الإيراني.

لكن الرجل الذي قالت إسرائيل إنه قاد برنامج القنبلة كان بعيد المنال.

فخري زادة.. الهدف رقم واحد
قاد فخري زادة برنامج تطوير الصواريخ للحرس الثوري، وهو رائد البرنامج النووي الإيراني، ومدير الأبحاث في وزارة الدفاع الإيرانية، وأدى دوراً رئيساً في تطوير طائرات من دون طيار محلية. ووفقاً لمسؤولين إيرانيين، سافر فخري زادة إلى كوريا الشمالية لتوحيد الجهود في تطوير الصواريخ. وكان وقت وفاته نائب وزير الدفاع، بحسب التقرير.

وعلى الرغم من أنه كان يعتبر والد البرنامج النووي الإيراني، إلا أنه لم يحضر المحادثات التي أدت إلى اتفاق 2015. كان فخري زادة الثقب الأسود الذي يعرف عنه الموساد أكثر مما تعرف عنه أسرته والإيرانيون.

وتذكر “نيويورك تايمز” أنه في عام 2008، عندما كان الرئيس جورج دبليو بوش يزور القدس، عرض رئيس الوزراء إيهود أولمرت تسجيلاً لمحادثة قال مسؤولون إسرائيليون حينها إنها حدثت قبل وقت قصير بين رجل قالوا إن اسمه فخري زادة وزميل له. وفقاً لثلاثة أشخاص قالوا إنهم سمعوا التسجيل، تحدث فخري زادة صراحةً عن جهوده المستمرة لتطوير رأس حربي نووي.

ويكشف التقرير أنه في عام 2009، كان فريق اغتيال ينتظر محسن فخري زادة في موقع الاغتيال المخطط له في طهران، لكن العملية أُلغيت في اللحظة الأخيرة. كان الموساد يشتبه في أن المؤامرة قد اختُرِقَت وأن إيران نصبت كميناً.

ولكن هذه المرة كان هناك شيء جديد ستجري تجربته.
كان عملاء إيرانيون يعملون للموساد قد أوقفوا شاحنة بيك آب زرقاء من طراز “زامياد”، شائعة الاستخدام في إيران، على جانب الطريق التي سيمر منها فخري زادة، وكان مخبّأً تحت القماش المشمع ومواد البناء الموضوعة في صندوق الشاحنة مدفع رشاش قناص عيار 7.62 ملم.

بعد عدة أيام من تنفيذ عملية الاغتيال ظهرت واحدة من أكثر الروايات غرابة، وذلك بعد عدد من الروايات المتناقضة والخاطئة.

أفادت عدة وكالات إخبارية إيرانية أن القاتل كان روبوتاً قاتلاً، وأن العملية برمتها نُفِّذَت من طريق التحكم عن بعد. وتناقضت هذه التقارير مباشرةً مع روايات شهود العيان المزعومة عن معركة بالأسلحة النارية بين فريق القتلة والحراس الشخصيين، والتقارير التي زعمت أن بعض القتلة قد اعتُقِلوا أو قُتِلوا.

وعلى الرغم من أن البعض شكك في هذه الرواية واعتبرها خيالية؛ إلا أنها كانت الرواية الحقيقية.

الموساد والعلماء الإيرانيون.. حكاية عداء

يوسي كوهين- بنيامين نتنياهو


تكشف “نيويورك تايمز” أن الاستعدادات للاغتيال بدأت بعد سلسلة من الاجتماعات في نهاية عام 2019 ومطلع عام 2020 بين مسؤولين إسرائيليين، بقيادة مدير الموساد، يوسي كوهين، ومسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، بمن فيهم الرئيس السابق دونالد ترامب، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ومديرة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل.

كانت إسرائيل قد أوقفت حملة التخريب والاغتيال في عام 2012 عندما بدأت الولايات المتحدة مفاوضات مع إيران أدت إلى الاتفاق النووي عام 2015. ولكن بعد أن ألغى ترامب الاتفاق، أراد الإسرائيليون استئناف الحملة.

وفي أواخر فبراير/شباط قدّم كوهين للأميركيين قائمة بالعمليات المحتملة، بما في ذلك مقتل فخري زادة. وأيدها المسؤولون الأميركيون المطلعون على خطة الاغتيال في واشنطن، بحسب مسؤول كان حاضراً.مع بدء تدفق المعلومات الاستخبارية، بدأت المصاعب في الظهور. لقد استخلصت إيران أيضاً دروساً من مقتل قاسم سليماني في بغداد، وعلمت أنه يمكن استهداف كبار مسؤوليها. وإدراكاً منها أن فخري زادة يتصدر قائمة المطلوبين في إسرائيل، شدّدت حمايته وعزّزت الإجراءات الأمنية حوله.

تولت حماية فخري زادة وحدة من قوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني، مدججة بالسلاح ومدربة تدريباً عالياً، وكان عناصرها يتواصلون عبر القنوات المشفرة. ورافقوا تحركات فخري زادة في قوافل من أربع إلى سبع سيارات، وعمدوا إلى تغيير المسارات والتوقيت بشكل دائم لإحباط أية هجمات محتملة. كذلك فإن السيارة التي كان يقودها بنفسه كانت واحدة من أربع أو خمس سيارات تحت تصرفه.

استخدمت إسرائيل أساليب متنوعة في الاغتيالات السابقة. سُمِّم أول عالم نووي على القائمة في عام 2007. وقُتل الثاني في عام 2010 بقنبلة مفخخة عن بعد مثبتة على دراجة نارية، لكن التخطيط كان معقداً، وقُبض على مشتبه فيه إيراني، اعترف وأُعدم.

بعد ذلك الفشل، تحوّل الموساد إلى عمليات قتل شخصية أبسط. في كل من الاغتيالات الأربعة التالية، من 2010 إلى 2012، استهدف المنفذون أهدافهم على دراجات نارية، من خلال المرور بجانب سيارة الهدف في خضم حركة المرور بطهران وإطلاق النار عليه عبر النافذة أو وضع قنبلة لاصقة في باب السيارة، ثم الانطلاق بسرعة.

لكن قافلة فخري زادة المسلحة، جعلت الطريقة السابقة مستحيلة. وهنا ظهرت فكرة “الروبوت القاتل” الذي غيّر حسابات الموساد.

محسن فخري زادة


روبوت قاتل وذكاء اصطناعي
كان “الروبوت القاتل” عالي التقنية، ومزوداً بذكاء اصطناعي، وقادراً على إطلاق 600 طلقة في الدقيقة. وهو يُستخدَم حالياً في الطائرات المسيَّرة.

وأوضح مصدر استخباري لـ”نيويورك تايمز” أن إسرائيل اختارت نموذجاً متطوراً من مدفع رشاش بلجيكي الصنع من طراز FN MAG، مرتبط بروبوت ذكي متطور. وأوضح المصدر أن نظامه لم يكن مختلفاً عن نظيره Sentinel 20، الذي تقوم شركة Escribano الإسبانية بتصنيعه.

يزن المدفع الرشاش والروبوت ومكوناته وملحقاته معاً نحو طن واحد. لذلك، قُسِّمَت المعدات إلى أصغر أجزائها الممكنة، وهُرِّبَت إلى إيران قطعة قطعة، بطرق ووسائل وأزمنة مختلفة، ثم أعيد تجميعها سراً.

بُنيَ الروبوت ليناسب صندوق البيك آب. رُكِّبَت كاميرات على الشاحنة لإعطاء غرفة القيادة صورة كاملة، ليس فقط للهدف وتفاصيله الأمنية، بل لبيئة العملية المحيطة بالكامل. وفي النهاية، فُخِّخَت المركبة بالمتفجرات، بحيث يمكن تفجيرها إلى أجزاء صغيرة بعد التنفيذ، الأمر الذي من شأنه إتلاف جميع الأدلة.

حملت العملية المزيد من التعقيدات، فمع إطلاق النار، سيهتز المدفع الرشاش على شاحنة بسبب الارتداد، حتى لو كانت متوقفة.

كذلك، على الرغم من أن اتصال الكمبيوتر بغرفة التحكم عبر القمر الصناعي وإرسال البيانات كان بسرعة الضوء، فإنه سيكون هناك تأخير بسيط، وما سيُرى على الشاشة سيكون قديماً، وسيستغرق تعديل التصويب وقتاً آخر، وكل ذلك وسيارة فخري زادة في وضعية الحركة.

وقُدِّر الوقت الذي ستستغرقه صور الكاميرا للوصول إلى القناص واستجابته بـ1.6 ثانية. وعلى هذا جرت برمجة الذكاء الاصطناعي للتعويض عن التأخير والاهتزاز وسرعة حركة السيارة.

وُضعَت سيارة مزيفة معطلة عند تقاطع طرق على الطريق الرئيسة، حيث يتعين على موكب فخري زادة المرور، واحتوت تلك السيارة على كاميرا أخرى.
الاغتيال
في27 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، عندما غادرت القافلة مدينة رستم كلاي على ساحل بحر قزوين، حملت السيارة الأولى عنصراً أمنياً، تبعتها سيارة نيسان سوداء غير مصفحة، يقودها فخري زادة مع زوجته الجالسة إلى جانبه. وفي المؤخرة سيارتا أمن أيضاً.

وكان الفريق الأمني قد حذر فخري زادة في ذلك اليوم، وطلب منه عدم السفر، بحسب نجله حامد فخري زادة ومسؤولين إيرانيين. لكن فخري زادة رفض ركوب سيارة مصفحة، وأصرّ على قيادة إحدى سياراته بنفسه.

وقبل الساعة 3:30 مساءً بقليل، وصل الموكب إلى منطقة أبسرد، على بعد 45 كيلومتراً شرق العاصمة، وتوقفت سيارة فخري زادة تقريباً، وجرى التعرف إليه من قبل فريق الاغتيال، الذي تمكن أيضاً من رؤية زوجته جالسة بجانبه.

استدار الموكب يميناً، ثم اندفعت السيارة الأمامية لتفقّد الطريق، تاركة برحيلها سيارة فخري زادة مكشوفة بالكامل.

أبطأت القافلة سرعتها لوجود مطب قبل السيارة المتوقفة، فأطلق المدفع الرشاش رشقة من الرصاص أصابت مقدمة السيارة، ولم يتضح ما إذا كانت هذه الطلقات قد أصابت فخري زادة، إلا أن السيارة انحرفت وتوقفت.

عدّل فريق الاغتيال الرؤية وأطلق رشقة أخرى، فأصابت الزجاج الأمامي بثلاث رصاصات على الأقل، وفخري زادة مرة واحدة على الأقل في الكتف. وبحسب وكالة أنباء “فارس” الإيرانية، فإن ثلاث رصاصات اخترقت عموده الفقري، وسرعان ما لفظ أنفاسه على الطريق خلف الباب الأمامي.

استغرقت العملية بكاملها، بحسب “نيويورك تايمز”، أقل من دقيقة، وانتهت بتفجير السيارة، وأُطلِق خلالها 15 رصاصة، حيث أشار محققون إيرانيون إلى أن الرصاصات لم تصب زوجة فخري زادة التي كانت تجلس على بعد سنتمترات قليلة. وهي الدقة التي نسبوها إلى استخدام برمجيات التعرف إلى الوجه.
كان الهدف من الانفجار تمزيق الروبوت إلى أشلاء حتى لا يتمكن الإيرانيون من تجميع ما حدث. ولكن بدلاً من ذلك، قُذف معظم المعدات في الهواء ثم سقطت على الأرض، وتضررت بشكل لا يمكن إصلاحها، ولكنها كانت سليمة إلى حد كبير، وكافية لفهم ما حصل.

لاحقاً وصل نجله حامد فخري زادة بعدما تلقى مكالمة استغاثة من والدته. يقول إن المكان كان ساحة “حرب كاملة”. وحجب الدخان والضباب الرؤية، فيما كان يمكن شمّ رائحة الدم.

وقال في وقت لاحق عبر التلفزيون الحكومي:

“لم يكن هجوماً إرهابياً بسيطاً، أن يأتي أحد ما ويطلق رصاصة ويهرب… كان اغتياله أكثر تعقيداً مما تعرفه وتفكر فيه. لم يكن معروفاً للجمهور الإيراني، لكنه كان معروفاً جيداً لأولئك الذين هم أعداء تطور إيران”.

رويترز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.