هذا موقف مقتدى الصدر.. هذا موقف نوري المالكي- سليم الحسني

شهور وسنوات، عشرات وعشرات المقالات وأنا أكتب مقالات النقد والهجوم ضد السيد مقتدى الصدر، تابعت حركاته ومواقفه وتصريحاته، وقد تعرضت نتيجة ذلك لحملات شتائمية حادة من قبل أتباعه، فهم يشنون حملتهم بقسوة لمن يقترب من زعيمهم بالنقد، وسيكون مصيره اللعن فيما لو شكك في مواقفه.
في يوم ٢٢ تموز ٢٠١٧، كانت قضية الدعوى القضائية التي رفعها ضدي صلاح عبد الرزاق، قد انتشرت في عدد من مواقع الانترنت، وبرزت دعوات تضامن معي ضد المفسدين الذين يريدون تكميم الأفواه ومنع حرية الرأي، ليمتنع الكتّاب من ملاحقة الفاسدين، وبذلك يخلو الجو لهم هادئاً يواصلون فيه سرقة قوت الشعب، ونهب ثروات البلد الضائع بين طموحات كتله السياسية وبين مؤامرات الدول الإقليمية.

في ظهيرة ذلك اليوم، تلقيت اتصالاً هاتفياً، وكان المتكلم السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، الذي تراكمت مقالاتي الهجومية ضده على مدى سنوات كما ذكرت آنفاً.
وكان الغرض من المكالمة أن يطمئن على وضعي في مواجهة القضية التي أواجهها، وقبل أن أجيب على سؤاله، صارحته بأني كتبت عنه الكثير من المقالات نقداً وهجوماً، وأني لا أزال على مواقفي مما كتبت متمسكاً بها، فكان جوابه لافتاً بشكل لم أتوقعه، قال:
ـ وما الضرر من ذلك، هذه وجهات نظر، وأنا أتابع ما تكتب، ولك الحق فيما تكتب، وان مهمتك أن تبدي قناعاتك وأن تطرح رؤيتك فيما تكتب.
وقد مرّ السيد مقتدى الصدر سريعاً على هذه النقطة، وعاد يسأل عن المشكلة التي أواجهها، لكني أبقيته فيها بأن أتباعه يقسون في ردود أفعالهم على مقالاتي، فسارع بالقول:
ـ لا تهتم لذلك هذه محسوبة علينا وسنعالجها، واستمر في كتاباتك كما تشاء وبما تقتنع به.
وخطى بسرعة ليتجاوزها، نحو مشكلتي مع الدعوى القضائية، وما الذي يمكن أن يفعله، باعتبار أن المهمة التي أقوم بها تخدم المواطن العراقي، وتتصدى لجبابرة الفساد في العراق. وأن حرية الرأي يجب أن تكون محمية مضمونة لجميع الأقلام.
طرحت على السيد مقتدى الصدر، أنه رفع لواء الإصلاح، وأن من مسؤولياته أن يعمل على حماية حرية التعبير عن الرأي، ومساندة جهود مكافحة الفساد والتصدي للمفسدين، فأكد بأن هذا ما سيحصل، وان القضية هي قضيته، فهي ليست شخصية إنما هي قضية أصوات تدافع عن المواطنين المنهوبين ضد مسؤولين فاسدين.

شعرت بأني لم أكن أتحدث مع زعيم تيار جماهيري واسع، بادلته الخصومة في مئات المقالات، إنما كنت أتحدث مع رجل يريد أن يدافع عن حق مواطن يترصده الفاسدون بالسوء.
وقد كانت الدقائق مؤثرة تستحق التقدير وتفرض عليّ أن أسجل الشكر لموقفه المشرّف. فاتصلت ببعض الأخوة الدعاة أخبرهم بما جرى، وكيف أن الدعوى ضدي مرفوعة من شخص ينتمي الى حزب الدعوة، ومعروف في أوساطه بفساده، فيسكت المسؤولون فيه مع أنهم يعرفون الحقيقة. بينما ينصر القضية طرف هاجمته بشدة، وأكدت له بأني مستمر بالاحتفاظ بمواقفي السابقة معه.
شرحت لأصدقائي، الفرق الكبير بين موقف رجل نقدته كثيراً، فوقف معي في قضية تهم الناس، وبين قياديين أردت منهم أن يحاسبوا هذا الشخص الفاسد وأن يطهروا الدعوة من الفاسدين الذين أساءوا الى تاريخها وتضحياتها، فبادلوني العداء والقطيعة والتشكيك والاتهامات، وجلسوا ينتظرون متى ينجح الفاسد صلاح عبد الرزاق، في الاجهاز عليّ في المحاكمة لأسكت عن النقد، كما تسرّب ذلك من المجموعة المشبوهة التي تحيط بالمالكي.
لم اسمع من المالكي الذي نقدته وهو في أوج قوته السلطوية، ودافعت عنه وهو في أضعف حالاته بعد ان ضاعت منه السلطة، لأني كنت ولا أزال مقتنعاً بانه صاحب الحق في تشكيل الحكومة باعتباره صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان. لم اسمع منه كلمة حق في هذه القضية، وهو بصمته يدعم صلاح عبد الرزاق المقرب منه، بل لم يبادر الى إيقاف خطوته التي تشكل استفزازاً للشعب المنهوب، ودعماً للفاسدين في درب اللصوصية والسرقة.
وقد كانت الكلمات التي نقلتها لأصدقائي الدعاة صادمة لهم، يصعب استيعابها، لأنها كشفت نوعين من القادة، قائد تعاديه فيقدّر لك مواقفك ويحترم الاختلاف. وقادة عشت معهم طويلاً واختلفت معهم بعض الاختلاف لمصلحة التاريخ والكيان، فصيّروك عدواً.
شكرا للسيد مقتدى الصدر.
أسفي على الدعوة ذات التاريخ العظيم، وقد استولى عليها هذا وذاك.