هيفاء الأمين وبارومتر التخلف بالعراق- زكي رضا

حينما سأل أحد الأساتذة في جامعة كوبنهاغن الطالب (نيلس بور) الذي نال جائزة نوبل في الفيزياء لاحقا، عن كيفية تحديد إرتفاع ناطحة سحاب بإستخدام البارومتر، والذي كانت إجابته الصحيحة تتمثل “بقياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب”. تفاجأ بـ(بور) وهو يجيب على سؤاله قائلا “أربط البارومتر بحبل طويل وأدلي الخيط من أعلى ناطحة السحاب حتى يمس البارومتر الأرض . ثم أقيس طول الخيط”، وكان هذا الجواب كافيا لإعتبار الطالب راسبا. وحينما تظلم (بور) من نتيجة الإمتحان، أعادت لجنة التظلم إمتحانه من جديد كون إجابته صحيحة الا أنها تدل على عدم معرفته بالفيزياء. حينها أجاب (بور)، من الممكن حساب طول ناطحة السحاب من خلال قانون الجاذبية الأرضية، أو قانون التناسب بين الطولين، أو تعقيد الأمور في أن نحسب إرتفاع الناطحة من خلال “قياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب بواسطة البارومتر”. أمّا إذا أردنا حلا سريعا يريح عقولنا فعلينا إهداء البارومتر لحارس البناية وسؤاله عن إرتفاعها.

لقد قامت الدنيا ولم تقعد خلال اليومين الماضيين، حول حديث النائب (هيفاء الأمين) في لبنان والتي قالت فيه: “في العراق هناك بعض العادات والتقاليد والموروث القديم والمتخلف، الذي يحتاج الى وقت أكبر لعلاج الكثير من هذه المشكلات”، وتابعت تقول: “أنا من الجنوب.. والجنوب أكثر تخلفا كمنطقة قياسا ببغداد وكوردستان التي تجاوزت الكثير من المشاكل مثل التعليم وحقوق المرأة وغيرها”. وكالعادة وكون هيفاء الأمين شيوعية، تقدم فرسان الثامن من شباط بقيادة البعثي حسن العلوي شاهرا سيف البعث ومن وراءه البعثيين والإسلاميين والمتياسرين الموتورين، متباكين على تأريخ العراق وتراثه، وكأنّ الأمين هي من هدّمت قبر علي الوردي وليس المتخلف جلال الدين الصغير، وهي من أسقطت الجنسية العراقية عن الجواهري وليس المجرم صدام حسين، أو هي من جعلت من تمثال الرصافي مكبّ نفايات، أو هي من تعادي الثقافة بحقولها المختلفة وتحرّم الفنون بإعتبارها كفر وليس الإسلاميين. وفي محاولة بائسة من هذا القزم البعثي متملقا القيادات الدينية المتخلفة بالبلاد ليغمز من قناة السفور قال “نعم نحن متخلفون بلبس المايوهات، ولبس البكيني والتعرّي”، وكأن رفيقاته ولن نشير الى غيرهنّ كنّ يسبحن محجّبات وبملابس شرعية ، في مسابح المقبورين صدام وعدي وقصي الخاصّة جدا!

هل شعبنا وبلدنا متحضرين أم متخلفين؟ دعونا نعود أولا للغة لنعرف الفرق بين الإثنين، فالتحضر إسم وقد جاء في معجم المعاني الجامع من أنّه “اتِّجاه اجتماعيّ من خلاله يقتبس الناسُ أسلوبَ الحياة الذي يتبعه سكانُ المدن والحضر من حيث النمط الثقافيّ للحياة وكذلك تحويل المناطق الريفيّة إلى مناطق تتبع سلوكَ الحياة الحضريّة ونمطها”، أمّا التخلّف فهو فعل، وقد جاء في نفس المعجم “تخلَّف الشَّعْبُ : تأخّر ، تجاوزته الأمم في مضمار الحضارة”. قبل أن نعود الى تجربة البارومتر، علينا أن نسأل العلوي ومن هم خلفه من شذّاذ الآفاق، ما هو شكل النمط الثقافي للحياة بالعراق، وهل هناك حياة حضرية وترييف المدن ومنها العاصمة بغداد يجري على قدم وساق؟ وهل هناك مكان لنا في مضمار الأمم المتحضرة والأميّة والفقر والجوع والفساد والتخلّف تضرب بأطنابها في مجتمعنا، ناهيكم عن الصناعة والزراعة وبؤسهما!؟

لا أعتقد إننا بحاجة الى نظريات علمية وفلسفية، ولا إلى مراجعات تأريخية، ولا الى إعادة شحن ذاكرتنا بمجدنا التليد، ولا كذبنا على أنفسنا من إننا أصحاب وعي، ولا حتّى أصحاب أخلاق بعد إنهارت بفعل رفاق حسن العلوي من خلال حروبهم الكارثية وما نتج عنها من حصار، والتي يستكملها اليوم أصحابه الجدد من المعممّين بهمم عالية وهم يعيثون بالعقل والأخلاق والبلد فسادا. بل نحن بحاجة الى بارومتر لقياس التخلف من خلال واقعنا المعاش، على أن نستخدمه بأسهل الطرق الممكنة أي المحاججة، لنريح عقولنا من أن تتيه بين أناشيد المجد الذي أفل، أو بين الحلال والحرام والمقدّس واللامقدّس الذي يجيد المعمّمون اللعب بهما لسرقة وعي الناس وجيوبهم.

كيف لا نكون متخلفين، ونحن نجعل من عمود كهرباء مزارا نحجّ إليه ، كيف لا نكون متخلفين ونحن نحجّ الى جرّار زراعي، ونقدّم له النذور؟ أين هو التحضّر ومعمم يبصق في وجوهنا ليبعد عنّا الأمراض؟ أين هو التحضر ونفس المعمم يمنحنا “جكليتة” وليقسم برأس الإمام الحسين من أنها تشفي عشيرة كاملة ويصدقه “المتحضرون” لكنه يذهب ليعالج نفسه من الأمراض التي تصيبه الى دول الجوار تاركا “جكليتته” لأصحاب الحضارة!! هل قتال بالأسلحة الثقيلة بين عشيرتين جنوب العراق من أجل بقرة فيه سمة من سمات التحضر؟ هل سطوة العشائر وعاداتها السيئة بخصوص المرأة تحديدا، دون الخوض في كامل الموروث العشائري المتخلّف فيه شيء من التحضّر ليتباكى فارس شباط ورهطه عليها.

كيف لا نكون متخلفين وبلدنا خارج تصنيف جودة التعليم العالمي على المستويين الجامعي والإبتدائي الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس؟ كيف لا نكون متخلفين وهناك أجيال من الطلبة تسرّبت من المدارس بسبب الفقر؟ كيف لا نكون متخلفين ووعينا المصادر يدفعنا كي نرضخ للذل ولا نثور على واقع مزري نعيشه؟ كيف وعينا لا يُهزم كما يقول الحرس القومي حسن العلوي، ونحن مهزومون من دواخلنا فنقبّل إطار سيّارة معمّم أو مداسه للتبرك؟ عن أي وعي يتحدثون ونحن واطفالنا نعيش الموت بكل تفاصيله يوميا ولا نثور، أو ليس الوعي هو من يصنع الثورة!؟

صدقت هيفاء، فنحن شعب متخلّف وبلد متخلّف، يقودنا لصوص وقتلة وفاسدون. يقودنا معمّمون يصادرون وعينا في كل لحظة ونحن راضخون، أوليس رضوخنا للظلم والإضطهاد تخلّفا؟ أوليس سكوتنا عن تعاطي بناتنا وأبنائنا المخدّرات في مدارسهم، كونها مباركة لأنها تأتي من إيران الإسلامية تخلفا وجريمة؟ عندما نسكت عن الفقر لأنّ هناك معمم يقول أنّ الفقر ليس بذات أهمية ونحن نكبّر بعدها ونصلّ على محمد وآله، فإننا لسنا متخلفين فقط بل مجرمين بحق وطننا وأنفسنا وأجيالنا القادمة.

من عليه الإعتذار لأهلنا في الجنوب والوطن المتخلف صناعيا وزراعيا وثقافيا وتعلميا ورياضيا وصحيا ووو… هل هي هيفاء الأمين، التي يريد حتى بعض المتياسرين الموتورين ناهيك عن البعثيين والإسلاميين الرقص على جثتها، أم السلطة التي جعلت من الوطن مقابر وخرائب ومكب نفايات ومسرحا لحروب طائفية وخزائن يمتلكون مفاتيحها فينهبونها يوميا؟ من عليه الإعتذار وأطفالنا وهم يفترشون الشوارع والأرصفة دون تعليم ليكونوا مشروع تخلف كبير مستقبلا، هل هي هيفاء الأمين التي أشارت إليه أم السلطة التي لا تعالج هذه المشكلة؟ ساحات التحرير في عموم الوطن هي الوجه الناصع لتخلفنا جميعا، فتظاهر العشرات فقط من أجل مصالح الملايين وسكوت هذه الملايين وصمتهم، تعني إننا متخلفون ولو تعلقنا بأستار الكعبة. لكنّ هيفاء شيوعية، وهذا ما جعلها ويجعلها في مرمى سهام البعثيين والإسلاميين والمتياسرين والموتورين، ومهاجمتها هو بالحقيقة هجوم على الحزب الشيوعي العراقي، وليس على شخصها بذاته.

هيفاء الأمين إستخدمت بارومتر قياس الفساد بأسهل طريقة ممكنة، وليست مشكلتها كون نتائج القياس كانت ضد مشاعر الأعمى الذي لا يرى التخلف، ولا من به صمم من الذي لا يريد أن يستمع الى حديثها بأن يكون محايدا ومنصفا. العالم بأكمله ومنه نحن أنفسنا نعرف من إننا وبمقارنة ما دخل ويدخل خزينة بلدنا من أموال وعدم إستغلالها في بناء الدولة والمجتمع، إننا من أكثر شعوب الأرض تخلفا.

عذرا لقد إنفجر البارومتر بعد تعرضه لضغط بعثي إسلامي متياسر موتور عال جدا، لأن عدّاده وصل الى نقطة الكرامة التي نفتقدها جميعا ونحن نفلسف معنى التخلّف، متخيلين من خلال نفوسنا المريضة والذليلة من أنّنا شعب وبلد متطوران ومتقدمان.. أوليس في الناصرية مطار فضائي!!؟؟

رابط حديث النائب هيفاء الأمين في الندوة التي عقدت بلبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.