ولماذا تُعطّل الموازين ؟- حسين الصدر

-1-
ليست مسألة ” التعيينات” في المواقع والمناصب متروكة دون ضوابط صارمة ، ومعايير محدودة ، ومقاييس موضوعية لابُدَّ ان يصار الى تحكيمها ورعايتها .
والاختراقات المرتكبة في هذا السياق ، جرّعتْ الناس الويلات ، ذلك انّ الناس وقعوا كبوش فداء ، حين تجاوز السلطويون الضوابط والمعايير الموضوعية التي تحدّد المُؤَهَل لتسنم المنصب من غيره .
-2-
والتاريخ ملئ بالشواهد على أنّ ” المحسوبية ” و “المنسوبيّة ” والروابط والعلاقات الشخصية، كانت وراء تسنم الكثيرين لمناصب لا يستحقونها على الاطلاق .
ومعنى ذلك :
انّ ما جرى في (العراق الجديد) من تهميش وإقصاء لأصحاب الكفاءة والخبرة والقدرة على النهوض بمتطلبات المنصب، لم يكن بدعاً من الأمر،وانما هو فصل جديد في ملف التجاوزات الخطيرة على الموازين…
ويمكننا القول :
انّ وجود الرجل المناسب في الموقع المناسب أصبح نادراً ، ذلك أنّ الاعتبارات الفئوية، والمحاصصات الحزبية، والحسابات الطائفية والقومية لم تُبق للموازين باقية ..!!
-3-
جاء في التاريخ
ان (ابن الفرات) استتر عند رجل من اهل بغداد يكنّى (بابي أمية الغلابي) وكان بزّازا .
وفي حوار بينهما قال ابن الفرات للغلابي ذات يوم … :
ما الذي تريده مني إنْ وليتُ الوزارة ؟
قال الغلابي :
” قلّدني شيئا من أعمال السلطان ”
قال ابن الفرات :
” ويحك
لا يجئ منك عامل ،
ولا أمير ،
ولا كاتب ،
ولا قائد ،
ولا صاحب شرطة ،
فأيّ شيء أقلدّكَ ؟
قال الغلابي :
” لا أدري ”
فقال ابن الفرات :
” أقلدك القضاء ”
قال الغلابي :
” قد رضيت ”
ومن الواضح ان ابن الفرات أخطأ خطأ قاتلا حين استعد لاسناد منصب خطير كالقضاء الى رجل ليس مؤهلا له من قريب أو بعيد .
وأخطأ الغلابي ايضا خطأ قاتلا حين رضي بهذا المنصب الخطير الذي لم يكن من اهله ..!!
-4-
ثم ان ابن الفرات ولي الوزارة ،
وولي الغلابي قضاء البصرة وواسط والاهواز واتخذ الغلابي البصرة مكانا لاقامته …
الانساب للسمعاني /ج4 ص294-295
وهكذا كانت الموازين تعطل وتهمل من أجل علاقة شخصية أومحاولة لمكافأةِ مَنْ كانت له يدٌ على المسؤول ..!!
وهكذا كان الناس يدفعون الثمن … فهم كبوش الفداء .
ان اصرار (ابن الفرات) على الاحسان للغلابي شيء جميل ، ولكنّ هذا الاحسان كان يجب ألا يكون على حساب المسلمين والموازين …
كان بمقدوره ان يكافئه بالهبات والصلات التي يقتطعها مما يملكه شخصيا، وليس باسناد منصب خطير كالقضاء .
-5-
يقال بان ” تاجر مجوهرات ” ذبح شاةً يوم أُطلقَ سراحُ جارِه (طاهر يحيى)، وحين تولى طاهر يحيى الوزارة أراد ان يكافئه فأخبره بان له سفرةً الى لبنان ولا مانع لديه من أنْ يكون معه .
وهكذا كان، فقد اصطحبه معه في سفرته الى لبنان، وبقي معه حتى عاد معه .
ان اصطحاب رئيس الوزراء لجاره في السفر ما هو الا محاولة لرد الجميل ، واظهار التقدير ، ولم يكن على حساب المواطنين …
وهناك الكثير من الوسائل والطرق المتاحة لرد الجميل لأصحاب المواقف المشرفة تنبو عن الاحصاء ، فلماذا يتم تجاوزها لتكون المكافأة على حساب الشعب والوطن ؟!!
ولماذا لا تعتمد المعايير الموضوعية في إسناد المهمات للمؤهلين لها، بعيداً عن الحسابات التي ما أنزل الله بها من سلطان ؟!

Husseinalsadr2011@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.