يحرقون العراق باسم المطالب المشروعة!- عبدالخالق حسين

يمر العراق اليوم بأخطر أزمة تهدد وجوده كدولة وشعب، فالمشكلة عويصة ومعقدة جداً، وأمام عدو يمتلك كل خبث معاوية وابن العاص وأتباعهما الذين بعد أن تأكدوا من هزيمتهم في حرب صفين، رفعوا المصاحف على أسنة الحراب صارخين (لا حكم إلا لله، ونريد تحكيم القرآن)، وبذلك نجحوا في شق معسكر الإمام علي رغم تأكيده لهم إنها والله خدعة، و(كلمة حق يراد بها باطل)، فذهبت صيحاته أدراج الرياح وكان ما كان.

واليوم يعيد التاريخ نفسه على شكل ملهاة، وفي هذه الحالات يحصل اختلاف حتى بين الأصدقاء، والجماعات كما حصل في معسكر الإمام. فالاختلاف في الآراء والمواقف إزاء مختلف الأمور حق مشروع، ومسألة طبيعية كما نختلف في ملامح وجوهنا وأذواقنا. ولكن في أوقات الأزمات، والتحولات السياسية والاجتماعية الجذرية (الثورية)، يشتد هذا الاختلاف حتى بين أقرب الأصدقاء المتجانسين فكرياً، بل وحتى داخل العائلة الواحدة. وهذا ما نشهده اليوم بين العراقيين. وقد ظهرت هذه الحقيقة بكل وضوح بمناسبة التظاهرات الشعبية الأخيرة التي تجتاح العراق، والتي بدأت في بغداد يوم الثلاثاء 1//10/2019، ثم انتشرت كالنار في الهشيم في محافظات الوسط والجنوب التي غالبية سكانها من الشيعة، وعانت الكثير في مختلف العهود من الإهمال المتعمد، والظلم والجور.

فبعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (تظاهرات سلمية، أم مناورات إنقلابية بعثية؟)(1)، استلمت العشرات من التعليقات، أغلبها مؤيدة، والقليل منها ضد. فالمختلفون معي، بينهم أصدقاء مقربون لي، ومخلصون لوطنهم، أكدوا على عفوية التظاهرات، وانفجار الشباب الذين عانوا الكثير من الفساد، وسوء الخدمات والبطالة، وأن جميع الحكومات التي جاءت بعد عام 2003 فاسدة، وقد فشلت فشلاً ذريعاً في حل مشاكل الشعب وبالأخص الشباب منهم. وكما قال صديق أني أخطأت في العنوان الذي هو نصف المقال على حد قوله بحق، وأني ركزت على دور البعثيين في هذه التظاهرات وقيادتها، وأعطيتهم دوراً لا يستحقونه، بينما البعث قُبر وانتهى إلى غير رجعة !. و أكد آخرون نفس المضمون أنه من الخطأ إلقاء اللوم على بقايا البعثيين، إلا إنهم لا ينفون قيامهم باستغلال هذه المناسبات واختراقها وتوجيهها لأغراضهم. كما علق كاتب معروف بهلوساته تعليقاً قصيراً على مقالي عبر الإيميل قائلاً: (أن كاتب المقال يزِّيف الواقع). في الحقيقه هذا الشخص مصاب بعمى الألوان وهو فاقد القدرة على التمييز بين الزيف والواقع. وفي هذا الخصوص يقول برتولد بريخت: “من لا يعرف الحقيقة غبي، أما الذي يعرفها ويكذبها فهو مجرم” .

في الوقت الذي اتفق فيه مع آراء الأصدقاء الذين اختلفوا معي على مبررات التظاهرات، حيث أوضحت لهم رأيي في مقدمة المقال المشار إليه أعلاه(1)، أن التظاهرات السلمية حق مشروع للشعب أكده الدستور، وذكرتُ الأسباب الرئيسية الثلاثة: الفساد، وسوء الخدمات والبطالة، وخاصة بين الشباب. ففي العراق كأية دولة نامية، نحو 70% من الشعب هم في الثلاثين وما دون، ولكني أصر على موقفي أن هناك قوى شريرة خططت مسبقاً لتفجير هذه التظاهرات من قبل الشباب المحرومين، ومن ثم اختطافها منهم، واستخدام العنف بالاعتداء على رجال الأمن، وإشعال الحرائق في مؤسسات الدولة.

وقد ركز أغلب المعلقين من القراء، والكتاب على عفوية التظاهرات، وعدم وجود تنسيق بينها، و وحدة الشعارات، أو قيادة موحدة لها،…الخ. كذلك أكدوا على عدم مشاركة الأحزاب السياسية فيها. ولكن في نفس الوقت استكثر البعض منهم علينا التحذير من دور فلول البعث في اختراق هذه التظاهرات وقيادتها وتجريدها من سلميتها، وتحريفها عن أهدافها المشروعة، وتوجيهها نحو أهداف تريد الشر بالشعب والوطن.

ولذلك أحاول في هذا المقال أن أوضح بعض الأمور التي نختلف عليها، وطرح بعض الحلول لمعانات الناس، والمشاكل التي ورثها العراق الجديد من النظام البعثي المقبور.

فيما يخص عفوية التظاهرات، من حقنا أن نشك بها، ففي هذا الخصوص يقول الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت: “في السياسة لا شيء يحدث بالصدفة، وإن حدث يمكنك المراهنة أنه خطط له لكي يحدث على ذلك النحو.”
وما يجعلني ويجعل الكثيرين أن يشكوا بهذه العفوية المزعومة، هو اندلاعها بمنتهى القوة والانتشار، مصحوبة بأعمال عنف ومواجهة مع القوات الأمنية لم يعرفه العراق منذ 2003. فلحد آخر تنقيح لهذه المقالة في صباح ( 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري)، بلغ عدد القتلى نحو المائة، والجرحى نحو 4000، بينهم الكثير من رجال الأمن. فهل حقاً هذه التظاهرات عفوية وسلمية وبدون تخطيط وقيادة؟ ألا يعني هذا أن بعض المتظاهرين كانوا مسلحين و ينوون اختطافها مسبقاً؟ وإلا هل يعقل أن رجال الأمن وجهوا سلاحهم ضد بعضهم البعض، وهم الذين قاموا بحرق الأبنية الحكومية؟

وتفنيداً لهذه العفوية المزعومة، نقل لنا الإعلامي البريطاني باتريك كوك برن في صحيفة الإنديندنت جاء فيه: (ويقول حيدر، خريج كلية الحقوق الذي ساعد على تنظيم التظاهرات ضد البطالة – تحديداً بين الخريجين الذين يبلغ عدد العاطلين بينهم 370 ألفاً- خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة “نحن فوجئنا بقسوة رد دوائر الأمن على مظاهرة سلمية”.)(2)
وهذا يعني أن التظاهرة ليست عفوية، بل خُطِط لها (خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة)، ولكنهم ما كانوا يتوقعون رد الجهات الأمنية.

وتأكيداً لما قاله السيد كوكبرن، نؤكد وجود قوى غير مرئية التي تحرك هذه الاضطرابات، بدليل إذاعة بيانين، بيان المدعو أحمد الحلو، البعثي ورجل الأمن السابق في عهد صدام (3)، والبيان المنشور في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية اللندنية(4). وفي كلا البيانين مطالب أغلبها غير دستورية من بينها منع مشاركة جميع الأحزاب والشخصيات التي شاركت في العملية السياسية منذ 2003، وهذا بالضبط ما يسعى إليه البعثيين، كرد على قانون (اجتثاث البعث).

كذلك أود تذكير الأخوة من ذوي النوايا الحسنة الذين يستهينون بقوة البعثيين، أن الاستهانة بقوة العدو خطر كبير، فقد استهان الزعيم عبدالكريم قاسم بقوة البعثيين وحلفائهم، وتبنى مبدأ (عفا الله عما سلف، والرحمة فوق القانون)، وهو أول من حاول إدخال روح التسامح والمساواة في المجتمع العراقي الذي تشرب بثقافة العنف. ونعرف ما حصل للثورة وقائدها، وللعراق بسبب الاستهانة بقوة البعثيين وحلفائهم في الداخل والخارج. إذ كما تفيد الحكمة: (الطريق إلى جهنم مبعد بالنوايا الحسنة).
وقد حذر الجواهري الزعيم عبدالكريم قاسم بهذا التهاون قائلاً:
ولا تقل ثرة تبقى حزازتها…. فهم على أي حال كنتَ قد وتروا
تصور الامر معكوسا وخذ مثلا…. ماذا يجرونه لو أنهم نصروا
تالله لاقتيد زيد باسم زائدة…. ولاصطلى عامر والمبتغى عمر
وما كان للرحم ذكر في معاجمهم…. أو عن كريم وأصحاب له خبر
فضيق الحبل واشدد من خناقهم…. فربما كان في إرخائه ضرر

وفي هذا الخصوص عاتبني صديق عزيز، كيف أقارن الوضع الحالي الذي يحكمه حكام فاسدون مع عهد الزعيم قاسم المعروف بنزاهته و وطنيته؟ وهو الآخر ينفي دور البعثيين في هذه الاضطرابات.
وجوابي للصديق هو كالآتي: بغض النظر عن اختلاف المرحلتين، الاختلاف بين فساد حكام اليوم، وبين نزاهة حكومة ثورة تموز المجيدة، إلا إن العدو البعثي هو نفسه، والأغراض الشريرة هي نفسها. ففي عهد تموز استخدموا رفع الزعيم سعر البنزين فلساً واحداً للتر، واليوم يوظفون الفساد، وتردي الخدمات وتفشي البطالة، وهي أقوال حق يراد بها باطل. وفي كلا العهدين غايتهم ليس الإصلاح، بل حرق العراق كما شاهدنا في إنقلابهم الأسود في شباط عام 1963، واليوم نشاهد حرق مباني الحكومات المحلية بالكامل. وهذا لا يجعل من هذه التظاهرات سلمية إطلاقاً. أرجو من الأصدقاء الطيبين أن يعيدوا النظر فيما يجري في الوطن على أيدي البعثيين، أعداء الأمس واليوم.

إذنْ، نحن أمام مشكلة عويصة ومعقدة جداً، وفي هذه الحالات يحصل خلط الأوراق، وفلول البعث خيراء في هذه الصنعة أكثر من غيرهم. فكما علق أحد القراء الشرفاء الواعين بأحابيل البعثيين قائلاً: “نحن من عاصر ثورة 14 تموز، نعي ما كتبته بالحرف. لذلك اؤيد شرحك لأنك صادق وأمين فيما سطرت من حوادث.” فهذا القارئ الكريم وأمثاله هم الذين يجعلوننا أن نواصل الكتابة في تنبيه شعبنا من حيل وأحابيل البعث. (فلو خُليت قُلِبت) كما تفيد الحكمة.

نعم هناك فساد وتردي الخدمات، وبطالة خانقة، وكل المبررات للتظاهرات السلمية المشروعة، ولكن هذا لا يبرر اختطاف البعثيين لهذه التظاهرات وتوجيهها للتخريب وتحقيق مآربهم الشريرة. فليست هناك حلولاً سحرية لكل هذه المشاكل المتراكمة عبر عقود من السنين. فالكل يعرف أن الحكم البعثي قد أهمل صيانة وإدامة البنى التحتية منذ إشعال حربه العبثية العدوانية على الجارة إيران عام 1980، ثم جريمته الشنعاء على الشقيقة دولة الكويت، فأهمل صيانة البنى التحية من الأبنية الحكومية والمستشفيات والمدارس والمعامل، والطرق والجسور، والمؤسسات الخدمية من كهرباء والماء، ومجاري الصرف الصحي، وألوف المعامل وغيرها بقيت مهملة تتردى مع الزمن، فوجه كل الموارد المالية الضخمة لعسكرة البلاد وشن الحروب العبثية، واستدان عليها 120 مليار دولار زائداً (400) مليار دولار تعويضات الحروب. إضافة إلى الخراب البشري في إعادة العراق إلى ما قبل تأسيس الدولة، حيث أحيا العشائرية والحملة الإيمانية الزائفة، وإثارة الفتن الطائفية، وتفتيت الشعب إلى مكونات متعادية. هذا الإرث الثقيل لا يمكن حله بين عشية وضحاها.

لذلك، صحيح أنتهى صدام وحكمه الجائر إلى مزبلة التاريخ، ولكن تركته الثقيلة بقيت عبئاً ثقيلاً، وكابوساً رهيباً على الشعب وعلى كل من يتورط في حكم العراق من بعده. لذلك قال صدام: (إن الذي يحكم العراق من بعده يستلمه أرضاً محروقة بلا بشر). لأنه دمر الذهنية وفتت النسيج الاجتماعي، وقد ذكرنا كل هذا الدمار الشامل في بحثنا الذي نشرناه في ثلاث حلقات، بعنوان: (الخراب البشري في العراق)(5، 6، 7).

لذلك وبناءً على ما تقدم، أقول ثانية ، ليست هناك حلولا سحرية لحل كل هذه المشاكل المتراكمة عبر قرون، صحيح هناك تخلف وتقاعس وفساد في السلطة، ولكن هذه المشكلة هي الأخرى من مخلفات العهد البعثي. فالحلول تستغرق وقتاً، وتحتاج إلى خبراء يتسمون بالوطنية والنزاهة. ومن المناسب أن أختار بعض الحلول العملية التي اقترحتها المرجعية، وكذلك ما اقترحه الحزب الشيوعي العراقي في بيانه الأخير بهذه المناسبة، وفي هذه العجالة أنتقي من البيانين الإجراءات التالية:
مقترحات المرجعية للحكومة (8):
1- دعوة الحكومة للعمل وتحسين الخدمات الأساسية.
2- توفير فرص عمل للعراقيين.
3- انهاء الفساد وتحميل المسؤولية للعاملين في الحكومة ممن لا ينفذون واجباتهم.
4- دعوة لتشكيل لجان غير حكومية لتحديد ما هو المطلوب لمحاربة الفساد.
وأكد آية الله السيستاني في رسالته على رفض استخدام القوات الأمنية للقوة ضد المتظاهرين في الوقت ذاته أكد على رفض أعمال العنف كحرق مبان حكومية من قبل متظاهرين.

كذلك أختار من البيان الشيوعي الاقتراحات التالية(9):
((- البدء بإجراءات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، وتقديم المتهمين بمختلف مستوياتهم خاصة الكبار منهم الى القضاء.

البدء بحملة كبرى لبناء مساكن اقتصادية لائقة وتوزيعها على الفقراء وكل من لا يملكون بيوتا تؤوي عوائلهم.
تشكيل مجلس الخدمة العامة وإناطة كافة التعيينات في الدولة به، بما يضمن عدالة الحصول على فرص العمل أمام جميع المواطنين.
تخصيص رواتب شهرية للمواطنين الفقراء والشباب العاطلين عن العمل، بما ينقذهم من العوز والبؤس.
الغاء الدرجات الخاصة غير المبررة.
خفض رواتب الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والدرجات الخاصة بنسبة لا تقل عن 50%، وإلغاء كافة الامتيازات والتخصيصات غير المبررة.
اعتماد برنامج آني وسريع للنهوض بالقطاعات الإنتاجية وبما يوفره ذلك من فرص عمل.))
فكما جاء في ختام البيان “ان هذه وغيرها من الإجراءات العاجلة، يمكن أن تطمئن الشارع العراقي الملتهب، وتلبي مطالب الناس المشروعة الملحة”. وأضيف: لسحب البساط من تحت أقدام المخربين من البعثيين وأعوانهم في الداخل والخارج الذين يعملون على حرق العراق وجعله أرضاً محروقة لتحقيق نبوءة سيدهم المقبور صدام حسين السوداء.

خلاصة القول:
في هذه التظاهرات تكشفت بصمات البعثيين واضحة في العنف، وهناك من يريد ركوب الموجة الشعبوية ويلقون اللوم على الأجهزة الأمنية ومطالبتها بعدم التدخل، بل والوقوف مع المتظاهرين. وفي هذه الحالة إذا حصل المحظور سيلقون اللوم على الأجهزة الأمنية قائلين لماذا لم تؤدوا واجبكم؟ وبذلك فالحكومة ومن يدافع عن دور الأجهزة الأمنية من أمثالي، يكون خاسراً في جميع الأحوال. ولكن على قدر ما يخصني الأمر، أرى من واجبي أن أكتب وفق قناعاتي، وما يرضي ضميري، فلستُ من طلاب الشعبوية. ومع ذلك أعذر الأصدقاء الذين يختلفون معي، خاصة في هذه المشكلة المثيرة للجدل ولإختلاف، إذ كما قيل (الاختلاف في الرأي لا يفسد للودي قضية).
وأنا واثق أن الأيام القليلة القادمة ستكشف المزيد من الحقائق الناصعة، وكشف القوى الشريرة التي تحرك هذه التظاهرات بالخفاء، وخاصة دور البعثيين وقدرتهم الفائقة على خلط الأوراق. فقصد المندسين في هذه التظاهرات ليس تحقيق مطالب هؤلاء الشباب المغرر بهم، ولا الإصلاح السياسي كما يزعمون، بل يريدون حرق العراق وتحقيق نبوءة صدام السوداء، وإغراق العراق في فوضى هدامة عارمة، ومن خلالها تحقيق حلمهم في عودة حكمهم الجائر.
فما يجري اليوم في بغداد و المحافظات الشيعية من أعمال فوضى هو نسخة طبق الأصل لما جرى في ساحات الاعتصامات في المناطق الغربية السنية، والتي مهدت للاحتلال الداعشي لتلك المناطق عام 2014، والتي كلفت العراق الكثير بالأرواح والممتلكات. وهذا يعني عودة حكم البعث بنسخته الجديدة الداعشية الوهابية.
ألا هل بلغت.. أللهم اشهد.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.