يقظة الشارع في غياب “الكتلة التاريخية” أداة التغيير والإصلاح- فخري كريم

شهدت الأيام الماضية تسارعاً في اتجاهين يدّعي كلّ منهما انحيازاً لإصلاحٍ جذري، ويمكن لهما أن يلتقيا إذا ما حَسُنَت النيّات وتجرّدت من نزعة فرض الأمر الواقع، من جانب، ومن الانفراد بصياغة البديل من موقع السلطة دون اعتبارٍ لصوت الشارع والرأي العام وأخذهما بالحسبان من جانب آخر.
لقد تجاوزت الحالة التي آلت إليها التجاذبات بين قوى العملية السياسية، وفي إطار التحالف الوطني بالتحديد باعتباره الطرف المتحكّم في إدارتها وسلطة الحكم، إعلان “النوايا” عبر التصريحات والمواقف وإطلاق المبادرات، للنزول إلى الشارع من جانب التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر، والانتقال من “الافتراض المموّه” في الحديث العام عن أسباب الفساد والتدهور والفاسدين إلى وضع النقاط فوق الحروف ” المرتعشة” من قبل السيد حيدر العبادي .
وكان جديراً أن تكون نقاط حروف السيد العبادي خميرة تصعيد السيد الصدر ومنطلقها للارتقاء بالدعوة للإصلاح وتحديد مساراتها العملية، إذ أنهما، إذا لم نُخطئ القراءة أو نقع في المحظور من المبالغة في التقييم، رافدان يتعاضدان لحسم الصراع الدائر حول مصائر العملية السياسية، والانعطاف بها من المحاصصة الطائفية إلى بناء قواعد ومسارات ما بعد منظومتها وقيمها ومفاهيمها.
ومثل هذه الانعطافة تتطلّب فهماً متبادلاً ، بأن عملية الإصلاح والتغيير ليست مهمة طرفٍ دون غيره، مهما كانت قوّته التمثيلية في السلطة أو الشارع، وإنما هي نتاج تراكم موضوعي أدى الى إطلاق حراكٍ شعبي – مجتمعي احتجاجي، رافض للمنظومة الحاكمة وما تنتجه من أزماتٍ وفوضى وفسادٍ وتخلفٍ على كل صعيد. وبهذا المعنى فإن التعبير المجتمعي السياسي
“صاحب المصلحة المباشرة في التغيير”، يجد تجسيده غير المرئي في قوى ” كامنة ” لم تتبلور بعد كإطارٍ وإرادة وتجليات سياسية محددة المعالم ، يمكن أن يتجلّى في “كتلة تاريخية “تتسع لكل العراقيين المتلوّعين بما يحيطهم من أوضاع بغضّ النظر عن مشاربهم واتجاهاتهم الآيديولوجية والعقائدية والسياسية، وبينهم شرائح اجتماعية داخل الكتل والتنظيمات القائمة، سواء في المنظومة الحاكمة أو خارجها من الأحزاب والتيارات وقواعد المجتمع المدني.
إنّ الشارع الذي شهدناه أول من أمس تجسيدٌ لبعض هذا ” الكامن” المتحوّل، المتكوّن في الغالب من الفئات والشرائح الاجتماعية المتضرّرة الباحثة عن ذاتها المغيّبة، المقصيّة في الأطراف المهمّشة من المجتمع. وهي أوضح تعبير لموقعها في سُلّم الامتيازات والخدمات المنعدمة، في أن “المحاصصة ” ليست ” طائفية ” في واقع الحال بل ” زعاماتية ” لا علاقة لها بقواعد الطوائف بمختلف شرائحها، الفقيرة منها بوجه خاص. إن تكييف تقاسم السلطة والمغانم جرى تحت ستار “الطائفية ” لكي يُخفي استلاب “إرادة جمهور الطوائف” وتجريدها من مصالحها وإرادتها لتصبّ في مصلحة أمرائها والمتطفلين عليها سياسياً . ويبدو أن السيد الصدر، وهو يتغير أو هكذا تعبر عنه تحولات مواقفه، قد شخّص الطبيعة الاجتماعية، وتسميتها المصطلحية الحقيقية هي “الطبقية”، لكنّ استخدامها قد يضعنا في مواجهة تداعيات استفزازية للبعض وليس للسيد. والمراهنة ، مع تجنب المبالغة في مدى الارتقاء في هذا التغيّر، وتحوّله إلى قاعدة حراك سياسي مجتمعي من شأنه أن ينفض عنها نزعاتٍ وتوجهاتٍ وممارساتٍ تجهض استكمال هذا التحول من حراكٍ غير متجانس إلى حزبٍ أو حركة واضحة المعالم والتمثيل.
وهذا التحوّل يعتمد الوعي بالضرورة والأخذ بالمعايير الديمقراطية في الصراع، والاحتكام إلى قيم ومفاهيم الاختلاف وتجنّب الوصاية أو الإيحاء بالحق في تجاوز الآخرين وفرض الأمر الواقع. وإذا كان البعض يفسّر ما قاله السيد الصدر في هذا الاتجاه فذلك مناقض لمطالباته الواضحة بنزع السلاح من الميليشيات وحصره بيد الدولة، وتأكيده على أن يكون موقع الحشد الشعبي وتنظيماته على خطوط المواجهة مع داعش الإرهابي التكفيري وليس في المدن، واستنكاره لترويع المواطنين والتجاوز على الممتلكات الخاصة والعامة، ورفضه اغتصاب مهام ” الدولة ” أو القوات المسلحة تحت أيّ واجهة أو شعار!
إنّ مجرد اعتماد السيد الصدر وسيلة التعبئة الجماهيرية والاحتكام الى إرادتها لحسم الصراع في الموقف من الإصلاح أنما هو مؤشرٌ لوجهته ومراعاته للحساسيات المتجاذبة داخل أروقة العملية السياسية، وهو في ذات الوقت رسالة بإحدى أدوات الدبلوماسية الناعمة الى أكثر من طرف داخل الأسرة المتضادة.
في جانبٍ آخر، بدا واضحاً أن السيد العبادي لم يعد يرى كافياً الاحتكام ” للتلميح والتلويح” في تشخيص مكامن الخلل والفساد، ولم يعد من وجهة نظره مفهوماً لدى المواطنين أن يظل “محايداً” في ما يدور من مناورات للالتفاف على عملية الإصلاح والسعي لإجهاضها والانقلاب عليها. لكنه سيخطئ هذا المرة ايضاً أذا أضاع الفرصة وتردد في الكشف بالمسميات المباشرة المعلومة عما ذكره وهو يتناول قادة الأحزاب والكتل المتجاوزة على عقارات الدولة وأراضيها وممتلكاتها. كما سيُخطئ ثالثة إذا ما تردد عن تسمية ” اللجان الاقتصادية ” التابعة للقيادات الحزبية والكتل البرلمانية الكبيرة، دون أن يذكرها ويحيلها الى القضاء، وهي كلها بالأسماء والألقاب والتبعية، معروفة ويجري تداولها في الشارع السياسي ..!
وأخيراً سيظل مشروع السيد العبادي “مُضبّباً” تشوبه الشكوك والهواجس إذا لم يعمد لطرح برنامج شامل وتوصيفٍ لاختياراته من التكنوقراط. أليس ممكناً مثلاً أن يقدّم لنا نماذج دالة على مفهومه من خلال إجراء تغييرٍ في قوام وتركيبة الهيئات ” المستقلة ” والذي كان من المفترض أن يتم في وقتٍ مبكر بعد تسلّمه رئاسة مجلس الوزراء؟ وكذا الحال بالنسبة للمئات ممن ما زالوا يشغلون مواقع قيادية في الدولة والقوات المسلحة بعنوان مخادعٍ ” واو .. واو ” !
حين يتجاوز الحاكم الخطوط الحمراء في الصراع مع خصومه والمختلفين معه ، خصوصاً اذا كانوا من أمراء ومافيات الفساد وعرّابيها، عليه أن يتنبّه الى مساقِطَ خطواته، والى شحذ يقظته ، والانتباه الى ما يحيط به من تناغمات غير مفهومة ..
لا أدري إذا ما كان السيد العبادي قد استنبط الحكمة من القول المأثور على لسان الإمبراطور الروماني، يوليويس قيصر، وهو يخاطب صديقه الأثير بروتس: “حتى أنت يا بروتس؟” ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.