‏ برهم.. الشعور بالرئيس!- محمد جعفر الحسن

الدستور ليس حبراً أسوداً، يلطخ صفحات بيضاء، تقبع بين دفتين. هو شعور بالانتماء والاحتماء. لذا فأنّ الطبيعة الجامدة للدساتير، بحاجة حتمية لروح تخرج ديباجتها إلى الواقع.

موقع رئيس الجمهورية هو تلك النفخة، او الطاقة التي تخرج الكلمات من بين دفتي الدستور، لتعيش في وجدان الناس. وطيلة الحقب التي مرت على الدولة العراقية المعاصرة، لم تنتج هكذا ظاهرة. فكان الملوك أو الرؤساء؛ إما يفتقدون للدستور، أو يفتقدون للطاقة. بعد العام 2003، أختلف الوضع اختلافاً بنيوياً، فالرئيس أصبح منتخباً والدستور بات حاضراً، غير أنّ الروح أو النفخة لم تنضج، ربما لإسباب خارج إرادة من يشغل الموقع؛ فصار الرئيس لا يمثل سوى زعيم جماعة يتمتع بإمتيازات كبيرة ولا يؤدي سوى بعض المهام البروتوكولية. ربما كان السبب في ذلك، هو الاوضاع التي عاشتها الدولة، من إرهاب وأزمات سياسية داخلية وخارجية، لكن تبقى ملامح الشخصية، الذاتية والمكتسبة لصاحب موقع الرئاسة لها تأثير ينعكس على الأداء، وهذا التأثير يتحكم بالموقع، فيزيده بريقاً أو يزيده عتمة!

عتمة لعلها طالت كثيراً، فمنذ عقود طويلة، لم يشعر العراقي بالانتماء لوطن له (كود) او رمز خارجي يمكن ان يمثله كاملاً غير منقوص!.. وحتى في الزمن الديمقراطي، تنظر المكونات كل لرئيسها او ممثلها في الدولة على أنّه يحاكي تطلعاتها ويحمي حياض مستقبلها..!

مستقبل أدركه الرئيس برهم صالح، وعمل وفق مستحقاته، فصار رئيساً لكل العراق. بمعنى أنّ الرئيس صالح، كسّر القوالب الجامدة، وسار وفق منهج مبتكر. وهذا ما ساهم في ترسيخ المفاهيم الوطنية، وتغييب الأطر التقسيمية.

رب سائل يقول: ماذا فعل الرئيس لنتحدث بهذه اللهجة؟

في الواقع، عند تتبع مسار الرئيس صالح، منذ تسنمه موقع الرئاسة، نجد أنه أعطى زخما قويا للموقع، لدرجة أن بعض المتابعين استغربوا من المساحة الكبيرة التي يتحرك بها الرئيس. خرج الى الناس في بغداد كواحد منهم، ولم يتجول في مسقط رأسه. فهو يدرك تمام الإدراك حجم المهمة المناطة به.

في جولاته الخارجية، عبّد الطريق امام الحكومة لعقد الاتفاقيات في جميع المجالات، واستطاع إبقاء العراق محمورا لا متمحوراً، مع الاخذ بالاعتبار نجاحه في احداث التوازن الداخلي والخروج من جدل تقسيم الولاءات.

برهم صالح يمثل ظاهرة جديدة في الواقع العراقي، وتحديدا في تعامله مع الموقع. لذلك فأن الحكومة والأحزاب امام فرصة تاريخية، تتجسد بتفعيل موقع رئاسة الجمهورية الذي بات يشعر به الناس حاجة فعلية ووظيفة أساسية في بنية الدولة، وهذا ناتج عن فهم الرئيس لمهامه من جهة، وتمتعه بمواصفات رجل دولة عصري من جهة ثانية. وهو ما يجعل المواطن يشعر بشخصية معنوية تمثله وتحمل رمزية الدولة المسوّرة في حدودها المعلومة؛ وهذه نقطة تحوّل كبرى في العراق الديمقراطي الذي طالما عانى غياب الخيمة الدستورية (حامي الدستور).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.