عـــــــرس الواويـــــــــــــــة

ربما يشكك المرء بمصداقية السيد صابر العيساوي أمين بغداد السابق عندما تحدث ذات مرة لتبرير إخفاق أمانة بغداد في توفير الحد الأدنى المعقول من الخدمات البلدية المتمثلة بالنظافة وانسيابية مياه المجاري وجمالية مدينة بغداد التي يتغنى بها الشعراء برغم تحولها إلى مدينة خرائب وعاصمة لتلقي عواصف الرمال وكثرة المستنقعات والطسات.

يقول العيساوي السابق في نظريته الصفرية إن خدمات أمانته بنظر الناس تساوي صفرا، لأنهم وعلى حد قوله لم يستمتعوا بالمنجزات الستراتيجية الكبرى التي خصصت لها مليارات الدولارات ولم تخرج بعد إلى الخدمة، وكل ما يجري هو أيضا بالمليارات عمليات ترميم لوجه مدينة دمرتها الحروب ونخرتها عقود الفساد ومغامرات الخطط التجريبية.

ونحن وبعد عشر سنوات عجاف من سقوط صدام مازلنا نعيش داخل معالم مدينة مدمرة لم تطورها ترميمات ولم تسعفها خطط استرتيجية التي وصفها العيساوي بأنه سيجعل مياه الشرب منسابة عذبة تصل لطالبيها في شرقي وغربي المدينة وجنوبيها وشماليها بدون عناء أو استخدام أجهزة السحب مثل (الماطورات والبمات)، ولن يحتاج سكان العاصمة الى (الشختورات) لإنقاذ الناس عند طفح المجاري ولا اثر (للطسات) في شوارع البلاد.

مؤكدا ان الامطار التي هطلت على العراق يمكن ان ترفد الانهار بمياه نقية لكنها اختلطت بمياه القاذورات الثقيلة لتقتحم بيوت المواطنين وغرف نومهم، محققة بذلك العدالة الاجتماعية في الشعب وجميلة والكمالية ومدينة الصدر والكرادة وأبو سيفين وأبو دودو وحي الجامعة وباقي المدن الاخرى، وذلك بفضل الخطط الستراتيجية والتكتيكية (والجاجيكية) تعبيرا عن النهج الديمقراطي في العراق الجديد.

فهل هنالك ،سادتي، مدينة محترمة وعاصمة عريقة لا تتوفر فيها حتى الآن شبكة مجار ترحم الناس من الفيضانات ومياه الامطار؟، وهل هناك يا من تنتظرون المعجزات مصيبة اكبر من مصيبة أهل العراق عامة وبغداد خاصة، حيث يفشل فيلق من الموظفين والمهندسين والخبراء والمستشارين الذين ( يلهفون ) كل شهر مبالغ ضخمة من خزينة الدولة في توفير بنية تحتية لسكانها، ونحن نعلم بأنه لو توفرت الإرادة والنزاهة لكان بالإمكان تحقيق المعجزات.

وليرى المراقب المنصف لأداء ست عشرة وحدة للأمانة في بغداد سيجد إن اغلبها عاطلة عن العمل، وهي تقوم بواجبات النظافة بصورة تثير الضحك، فأين هذه الخدمات وأين دور مدراء الوحدات إزاء كوارث البيئة في كل مدن العاصمة؟، ولا يتهمك احد بالمبالغة بل إن هؤلاء المدراء يقفون مكتوفي الأيدي حول التجاوز على شبكات المياه والمجاري بل إن بعض المدراء يتواطؤون حتى هذه اللحظة مع (الحواسم) وهم يشيّدون دورا سكنية على أراض تابعة للدولة بدون خوف حيث تحولت مناطقهم إلى فوضى في كل المجالات وهم لا يتركون مقاعدهم إلا بالقيام بالاخوانيات والمجاملات للمجالس البلدية والكتل الحزبية لضمان الاستمرار في كراسيهم التي تضمن لهم الوجاهة وقبض المعلوم.

فأين نحن من ذلك؟ ومتى يحين الموعد لكي يعيش هذا الجيل مثل بقية البشر ليس في أوربا او أمريكا بل في مدن لا تمتلك حكوماتها لا نفط ولا زراعة ولا صناعة، ولكنها تحتوي على إرادة وإدارة حكيمة توفر سبل العيش الرغيد لأبنائها؟، اما نحن فهناك نخبة لا تأكل الا بملاعق الذهب ولا ترضى بالقليل بل تعيش بأموال الدولة بالرغم من إنها مزدوجة الولاء ولكل منهم جنسيتان وجوازا سفر وما يقبضونه من أموال العراق ينفقونه في بلدان أخرى، فهم يقبضون من هنا ويبذرون هناك ووجودهم في العراق اشبه بقصة عرس الواوية (*).

متى نعيش ونرى بغداد بشوارع نظيفة وحدائق غناء ومظاهر تعبر عن هوية وشخصية، ونرى ما يقال في الجرائد والفضائيات حقيقة ملموسة نعيشها على الأرض وليس مجرد وعود ساعة يحين موعدها يهرب المسؤول الى خارج البلاد بتهم الفساد من أمانة العباد؟.

(*) الواوية – جمع واوي وهو اسم يطلق في العراق على ابن آوى.

firashamdani@yahoo.com

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.