القاعدة وداعش لا مذهب لهما سوى الاستباحة..

من يبادر الى “لمّ” الشمل وإيقاف التدهور..                                                

فخري كريم

تتسع دائرة القلق بين العراقيين المهمومين بمصائرهم ومستقبل بلادهم، غير المتورطين بالمراهنة على ما تسفر عنه الصراعات الدموية من فرز وانحيازات واصطفافات يراد لها ان تكرس فرص رئيس مجلس الوزراء وتغذي اوهامه حول امكانية الحفاظ بكرسي السلطة لدورة ثالثة مهما كان الثمن، بل حتى وان ادى الصراع الى مزيد من الخرائب والخسائر في الارواح والثروات، وتمزيق ما تبقى من نسيج مجتمعي قابل لاعادة الحياكة والريافة.

لقد بدأ العبث باشعال الفتنة، وليس المهم الآن من الذي اشعل الحرائق رغم انه معروف و”يكاد المريب أن يقول خذوني”، وانما الهدف الذي لا بد ان يجمع كل الفرقاء، المتورطين بالصراع، او المسكونين بالقلق من تصاعده واتساع دائرته، بحيث يتعذر اخماده، قبل ان يأتي على اليابس والاخضر، ويتحول الوطن الى خيمة تحترق، يتنافس الملتمون لإطفائها على اسلابها!

واخطر المتوارين على اطراف الفتنة وحواشيها، هم القائلون بأنها (او الساعون لاظهارها، باعتبارها) منازلة طائفية بامتياز، بين اهل السنة واهل الشيعة.

ولا احد يمكنه ان يبَرّئ جهات متخمة بالضغائن الطائفية من الطرفين من لوثة هذا الصراع وتأجيجه، وكذلك من لهم اجندات طائفية وسياسية من وراء الحدود. كما لا يمكن التغاضي عن الممارسات المخلّة التي تُمارس بتعمد قصدي مفضوح، ضد المكون السني في دوائر ومؤسسات حكومية، او تورط البعض من القيادات المحسوبة على هذا المكون في الدفع باتجاه التحريض الطائفي، كما لو ان جريرة التمييز او الاقصاء او التهميش الذي تمارسه السلطة وقيادتها المأخوذة باسبابها ودوافعها، انما هي جريرة الشيعة، والتعبير عن ارادتهم.

الاشكالية التي يجري التمويه عليها تتمثل بشكل صارخ في التغطية على الاسباب الحقيقية التي تدفع الى الابقاء على مصادر الازمات السياسية وفتائلها، في حالة كامنة قابلة للانبعاث، وهي ليست دون ادنى شك، منطلقات لحماية مصالح الشيعة وسلطة الطائفة، كلما تصاعد الصراع على مراكز النفوذ والامتيازات، خصوصاً من قبل الماسكين بزمامها بقوة لا تستندالى اي اعتبار دستوري، او اخلاقي، او معيارٍ يحول دون الانزلاق الى مواجهة يكون العراق، بقضه وقضيضه، وقودها وضحيتها المجانية. وهذه الاشكالية، تحرض سائر الاطراف المتورطة بهذه الدرجة او تلك، في التغطية عليها، ومواربتها، خشية انفضاح الدوافع الدفينة، وكشف المستور الذي يهتك الاسرار السياسية، التي ليس لها اي علاقة او مصلحة بالطائفتين، الشيعية والسنية، بل باطماع سلطوية خالصة.

واذا اراد المخلصون على الضفتين ادراك هذه الحقيقة، والانطلاق منها للتحرك في مختلف الاتجاهات والمستويات السياسية والمجتمعية، لدرء المخاطر المنذرة، وتفكيك اسبابها، فانهم مطالبون قبل اي امر آخر، بتشخيص الخطر المباشر، وما يمثله من قوى وادوات وأهداف، ليتسنى لهم، تَدبّر الوسائل الكفيلة بالتصدي لهذا، وتعبئة كل الامكانات السياسية والعسكرية والامنية والمجتمعية، لدحره والحاق الهزيمة به.

وهذا الخطر، رغم كل التشابكات والتعقيدات التي تحيط بالمشهد السياسي، والاخطاء والكبائر التي ترتكبها السلطة وقيادتها المغامرة، يتحدد بوضوح في القاعدة وداعش وما تفرزه بين اونة واخرى من تنظيمات مسلحة وعمليات اجرامية تطاول كل المدن والشرائح الاجتماعية والمكونات العراقية دون استثناء. ويُخطئ من يتوهم بان هذه المنظمات التكفيرية ومن يسندها سراً او علنا، تشكل ظهيراً او خطوط دفاعٍ عسكرية وامنية لاهلنا من الطائفة السنية. كما يغرق في وهم أزيد من يرى فيها بديلاً سياسياً، يحفظ لها حرمتها، ويمنحها ما يُكَفل لها تامين سلطة سياسية تجسد تطلعاتها، وهم في مثل هذه الحالة، كالمستجير من الرمضاء بالنار! وقد عاشت الانبار والفلوجة والمنطقة الغربية كلها، تجربة تسلط القاعدة واشباهها على مقدرات الناس فيها وتعرفوا على حقيقة دعاواها واساليبها ومدى ارتداعها بقيم الدين والمذهب.

ان العقلاء من القيادات العربية السنية، السياسية والعشائرية، يدركون هذه الحقيقة، عن طبيعة الصراع الدائر، ومن يحركه، وما يقف في اساسه من دوافع، لكنهم يخشون  ان يفضي اخماد الفتنةشون  ان يفضي اخماد الفتنة وهزيمة القاعدة وداعش، الى اضعاف مواقعهم، وتعزيز مواقع رئيس مجلس الوزراء وحزبه وكتلته، كما لو انه استطاع ان يطيح ويهزم العدو الارهابي التكفيري، مما قد يمنحه فرصة تكريس سلطته المتهاوية، وتحسين صورته بين الناخبين الشيعة!

ولكن لماذا لا يكون العكس هو الصحيح، وهو بامكاننا وبقدرتنا لو شئنا،بان نكون في الموقع الصحيح من الصراع، بالضبط في الموقع المواجه للارهابيين، فنحقق الالتفاف عليه، ونسحب البساط من تحت أقدامه، ونبسط نفوذنا وسلطتنا، كامتدادٍ وتعبير عن الدولة، رغم انها فاشلة، ورغم انها شبه دولة، ورغم ان من يهيمن على مقدراتها، في الظرف الراهن لا يجسد ارادتنا، ويغتصبها خارج المسارات الديمقراطية؟

ولماذا لا نبادر نحن، لبسط ايدينا، لكل المتضررين من السياسة المغامرة التي ينتهجها، دون رادع، السيد المالكي، والمتضررون هم (بلغة النظام السياسي الطائفي الرث)، كل اطراف التحالف الوطني، وان لم يعلنوا صراحة، ومنهم شخصيات وأطر تندرج في “دولة القانون”، وكذلك التحالف الكردستاني وقيادة اقليم كردستان؟ لماذا لا ندعو الى اصطفافٍ وطني، على اوسع ما يكون  في مواجهة القاعدة، وفي التصدي للنهج والسياسات الحكومية التي تغذي الازمات وتوقظ الفتنة كلما خمد اوارها، وتضع البلاد على شفا هاوية؟

قد نتفهم الشكوك التي تراود هذه الاوساط العقلانية، التي تعيش بين مطرقة السلطة المتعجرفة وسندان القاعدة وداعش، من وجود مركز قيادي قادر على “لَمْ شمل” الكل حول طاولة حوار وطني، بعد ان تبين ان “معجون ميثاق الشرف” الذي طرحه السيد الخزاعي، بلا لون ولا طعم ولا رائحة، بل وبلا التزامٍ بمقتضيات الشرف السياسي. لكن على هذه الاطراف ان تتوجه الى من ترى فيه الثقة في ان يتولى هذه المهمة الوطنية المشرفة، وبامكانه ان يكون مركز استقطاب، لا يحابي على الحق او يساوم على الدستور ومقومات العملية الديمقراطية.

ان طاولة تجمع السادة مسعود البارزاني ومقتدى الصدر وعمار الحكيمواياد علاوي واسامة النجيفي واحمد الجلبي، الى جانب القيادات المتعقلة في التحالف الوطني، دون استثناء، والقيادات السياسية والمجتمعية النافذة في الطائفة السنية، من نينوى والمحافظات الغربية كلها، قد تكون المدخل الى اعادة الامور الى المسار الذي يمكنه ان يفضي الى التهدئة او ابعد من ذلك، وحتى ما تسفر عنه الانتخابات التي يتمنى فريق السلطان ان لا ترى النور!

فاتني ان اذكر، ان المكان المناسب لعقد مثل هذا الاجتماع، بما يدلل عليه من رمزية وتاثير قد يكون النجف وليس بغداد التي حولها السلطان الى عاصمة ثكنته، واذا تعذر ذلك فاربيل التي احتضنت اكثر من لقاء وطني افشله من ” تأبط شراً ” ..!
aljaberee.news@gmail.com

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.