تقسيم البلاد العراقية، واعادة توحيدها… ولم لا ؟؟؟

من اجل ألانسان، وانهاء الدمار

تقسيم البلاد العراقية، واعادة توحيدها… ولم لا ؟؟؟
رواء الجصاني
———-
منذ فترة ليست بالقصيرة ابدا، بقيت الافكار تتشابك بلا انتظار او تراتب، هلأكتب، ام لا أكتب؟ في السياسة المباشرة،  الخائض غمارها منذ حوالي نصف قرن،وربما بلا وعي في البدء، بل هي تلكم الظروف التي شاءت “اذ لا يولد المرء لا هراً ولا سبعاً، لكن خلاصة تجريب وتمرينِ”…
   وبين تمنع وامتناع، وربما احتراز!!! … ها هي الكلمات والتعابير تتدفق دون منهجة مسبقة، تثيرها، وتذكي اوارها، ما تشهده الامة العراقية، غير المكتملة الى اليوم، من مآسٍ وويلات، يتحمل الجميع مسؤوليتها، وان اختلفت – وهي مختلفة بالتاكيد – بين واحد واخر، وجمعٍ وثانٍ … وحتى للجينات هنا تأثيراتها، ولا تسألون اكثر، فثمة رماة حجر وسهام، وهم لا يفقهون !…واخيرا رسي القرار، في خطىحكمة حوارية مع الذات انطلقت قبل نحو ستين عاما، تهدر في حال مشابهة، تخاطب النفس:
ولانتِ اذ لا تصدعين فواحشاً الا كراضية عن الفحشاء
وخلاصات كتابة اليوم، الواقعية – كما أزعم- لا العاطفية، تذكرني بمواقف مشابهة كنت قد ابحتُ بها خارج السرب، منذ ازيد من خمسة وعشرين عاما، حين تساءلت، بلا براءة طبعاً، حول مدى ضرورة اعادة تقييم طبيعة ومسار حركة الرابع عشر من تموز، العراقية عام 1958 وبخاصة مسؤولية زعيمها الاوحد، عما جرى بعدها من ويلات. واذ ناقش الامر احباء واصدقاء،  تقبحَ “بعض” في حينها بردود انصاف الاميين… كماوراحت تلكم التساؤلات  تأخذ طريق البحث والتقويم شيئا فشيئا، وان بعد سنوات..اقول هكذا، واحسب ان كتابتي اليوم ستكون مثل سابقتها، تثير حوارا سياسيا هنا، وعتابا “صداقياً” هناك، ولربما سيمر وقت مديد قبل ان يستوعب دوافعها، اصحاب العواطف الجياشة، الحقيقية او المدعاة..
 واعني في هذه التساؤلات التي امام الانظار، بعد كل المقدمات المقصودة السالفة: عن ضرورة قصوى لاشهار اعادة توحيد، البلاد العراقية، عبر حل التقسيم، وان كان مؤلماً، وذلك على طريق انهاء الازمات التي ما برحت تتوالى، بل وتعنف اكثر كل يوم، فتروح مئات، بل الوف اخرى من الضحايا فداء لوحدة اراضي بلادِ – وليس وطن، واعني ما اقول.. وقد كنا حتى عام 2003 “كالزروعٍ شكت محولاً، فلما أستمطرت، مطرت جرادا”…
 ….. أترى أما ان الاوان للاعتراف الشجاع بحقيقة ان هناك العديد من المقوماتالتي تفرضاعادة تقسيم العراق، ومن ثم توحيده لا مركزيا، جهد المستطاع، من خلال الاقاليم، والفيدراليات، وليس بالشعارات والاغاني والهتافات والامنيات”القلبيـــة”.. كما وذر الرماد في العيون، اشباع للعواطف، او للدفاع عن مبادئ بلت، ومقاييس هرمت، واطاحت بها الحقائق، وثمة امامنا تجارب الاتحاد السوفياتي” السابق” ويوغسلافيا” السابقة” وتشيكوسلوفاكيا” السابقة” وما اكثر “السوابق” !! في هذا الحصر .
لا اشك طبعا بان العديد سيتصدى بهذا الشأن،وسيبحث عن “اسس” و”وقيم” و”تفاسير” و”مبررات”… تتصدع كلها امام تساؤل واحدٍ أحد: ايهما اغلى يا ترى، البشر ام الارض؟ الحياة او الدمار؟ الذكريات والقرابة و” التراب” واللغة والتاريخ المشترك، الحقيقي او المزعوم، ام الحفاظ على ارواح الناس؟  فثمة “افق بنجيع الدماء تنور واختفت الانجم” ومنذ عقود، اذا كان هناك من يقرأ ويتنبأ، فيُجيد …
 كم ستلتهب النفوس، فِرحةً وان شكلياً،حين يُقال ان العراق كان موحدا؟ وانه سيبقى كذلك؟ … ولكن متى حدث ذلك، حقا؟  هل احدثكم عن ولايات البصرة والموصل وبغداد، التي بقيت تُدار من تركيا في زمن الاستعمار العثماني، وحتى مطلع القرن الفائت ؟ وهل كانت البلاد موحدة حقاً في العهد الملكي، وتلك هي معروفة – للمتابع طبعاً- خلاصات الملك فيصل الاول، في الثلاثينات الماضية تتحدث عن “امة عراقية” مشتتة …كما ها هي امامنا معروفة اسباب ودوافع تمزيق البلاد واهلهاعام 1963حين تمت الاطاحة بحكم الجمهورية الاولى. اما عن”عراق”  صدام حسين فقد كان”موحدا” فعلاً!! ولكن بالحراب والعسف الكارثي،بحرب ابادة ضد الشعب الكردي، شمالا، ومقابر جماعية جنوباً، وعنف واعدامات في الوسط . فعن اي عراق “موحد” تحدثوا، ويتحدثون ؟؟؟ الم تصدق تلكم النبوؤةالتي قيلت عام 1946:
ذُعِرَ الجنوبُ فقيلَ: كيدُ خوارجٍ! وشكا الشّمالُ فقيلَ: صُنْعُ جِوار!
وتنابَزَ الوسَطُ المُدِلّ فلم يَدَعْ، بعـضٌ لبعـضٍ ظِـنّـةً لفَـخـار
ودعا فريقٌ أنْ تسودَ عَدالةٌ، فرُموا بكلّ شنيعةٍ وشَنارِ!
وهكذا، فلا بدّ ان نعيد ونعيد ما قد يصلح ايجازاً:” ومن لم يتعظ لغدٍ بامسِ وأن كان الذكيّ هو البليدُ”    
ثم،ألن يُشبع العراق الفيدرالي، المرتجى والمؤمل، شهوات طالبي الزعامات والمناصب، فيروحون رؤساء وقياديي دول وبرلمانات وحكومات”عراقية” عوضا عن التقاتل على ثلاثة رئاسات فقط، وملحقاتها،  كما هي الحال اليوم، خاصة وان “قومي” رؤوس كلهم،ويا ويح مزرعة البصل، بحسب الشرقي الحكيم  !!!  …. دعوا عنكمما سيتحقق من “ارباح” عديدة اخرىمثل المليشيات التي ستتحول الى اجهزة شرعية تشبع جوع الهائمين بالعسكرة والسلطة، والفضائيات الخاصة لتعلي من تشاء من الجائعين للسمعة والجاه، وان كان انتحالا … ولا ننسى هنا ما سيتوفر ليجنيه “الجناة”من مجالات للنهب والاثراء والسلب والرشى والسرقات، وكل ذلك السحت الحرام سيتوزع بلا حسد او رقابة من الاطراف “الجغرافية” المتنافسة، فأهل مكة “أحق” بشعابها …. ولعل الاسبق والاهم من كل ذلك وهذا، هو ان التقسيم والاقاليم، والفدرلة، ستبيّن ودون حاجة لمزيد جهد: الكثافة السكانية والقوى والموارد والقدرات والحضارات والقيم والتراث، وغيرها . وربما سينفع ذلك، اوجلّه على الاقل، في وقف الزيف والادعاء والتعالي والمزاعم وما اليها، فيعرف كلٌ وزنه وقيمته، ويعود واقعياً، فيعترف بالمساواة، والابتعاد عن الجعجة، وحينها ربما تصلح الحال لاعادة توحيد البلاد على اسس واقعية محددة .
ولكي لا يأخذ علينا البعض، ولربما يزايد، بالاعراف والتقاليد الديمقراطية، والتحجج بان الناس لا ترغب، بل وترفض التقسيم، بمعنى انهم راضون بالقتل بديلا.. نقول: دعونا من ذرائعاهمية الوعي، واقاويل ضرورة “احترام” رغبات وهوى المواطنين، ولنتحدث  بالكلام المباشر، وليس بابن عمه. فعن اية ديمقراطية يجري التنطع؟ وثلاثة ارباع شعوب العراق مبتلاة بالعشائريةوالامية، والجهل المعرفي، والموالاة العاطفية… ثم الا تكفي انهر الدم لكي نؤجل، ولا نقول نلغي، كلمة الديمقراطية، لعقود تالية وحتى يتوفر التعليموالامن والغذاء، وتستعاد بعض الروح الانسانية… هل نحتاج لان نضرب امثالا لكي نستوعب الحقيقة ونراها بعيونواقعية، وليست “افلاطونية” حالمة . هل تكفي براهين على ذلك ما حدث، ويحدث، في البلاد العراقية والسورية والليبية واللبنانية واليمنية؟… السنا شعوباًومجتمعات ” تخشى اللصوص، فتذبح العسسا” ؟ !!!!  
  سأبقى اتسائل، وبزعم تجربتي في السياسة، منذ خمسة عقود: كم من الويلات حلت بنا، او احللناها بأيدينا، لاننا لم نكن واقعيين، واعني النخب تحديدا، حين اجتهدنا فآلت بنا تلكم الاجتهادات الى الانكفاء والتوسل لتبريرات الظروف الموضوعية والجوانب الذاتية والقوى الامبريالية والتدخلات الاقليمية والتآمر، والعمالة …ويطول التعداد ويعرض ويعلو، والنتيجة واحدة: انهار دم لا يعزف عنها المتسببون بها، او المشاركون بها، بل وحتى من يدثرونها بالاقاويل والاقوال…
وثم- من جديد- دعوني استبق المتفيهقين، كما دأبـــتُ، وأحترز منهم، فادعي ان ثمة- حقاً- مشتركات بين مواطني “الجغرافية” العراقية، ولنقل ان من بينها بعض تاريخ، وتداخل اجتماعي، وتشابك اقتصادي، وارث عاطفي. ولكن ايضا كم هي في المقابل: المقوِضات والمتناقضات والتضادات، في الوعيوالثقافة والتقاليد والثوابت المذهبية والدينية والعرقية والقومية، والثارات والاحقاد المشتركة ؟…
     وفي سياق كل هذا وذلك، لنتصارح اكثر فنصدّ ونتصدى لمن سيرفع الصوت والقلم والتلميح، والنقاش، فيحكي عن المخاوف من تداعيات و”مآسي” التقسيم ويحذر من”ويلاته” المدعاة، او المحتملة او المؤكدة في بعضها.. فنقول: وماذا سيحل اكثر مما حلّ وساد، ويسود؟؟ وما اصدق تلك المقولة التي تهدرامام الاسماع :”شرٌ من الشرِ خوفٌ منه ان يقعا”…فكم من السنوات العجاف يجب ان تمر بعد، ليتزايد فيها الذبح على الهوية، وقطع الرؤوس، واغتصاب الممتلكات، وقبر البطون والتهام الاكباد وتفجير المدنيين، دعوا عنكم العسكريين… كم عشرات الاف اخرى من الضحايا يتطلب الامر لكي يفقه السياسيون، والموغلون بالطائفية، وأولو الامر، حقيقة الحال؟؟ ثم تالياً “يأسفون” ويعتذرون عن خطل ارائهم وتصوراتهم، ويتحججون مجددا بمفردات قاموسية جامدة عن الظروف الاقليمية، والدور الاسرائيلي والقوى العظمى، وكانهم اكتشفوا اقمارا جديدة … و”لست ادري، ولا المنجم يدري” متى ستحل القدرة لدى المقصودين، فيتركوا القوالب الجاهزة، والثبات على الرؤى، وبدعوى عيب على”الرجال” ان يغيروامن المواقف والمبادئ التي اعتنقوها !!!..وما أروع واسمى النساء اللواتي لا تشمهلن تلكم المقولة”الاصيلــة”!!!
كما واحسب ان سينبري طائفيون هنا، كما ومناضلون جدد هناك، ويلبسون ازياء الواعظين، فينكرون الخلافات الطائفية المتعمقة منذ  اكثر من اربعة عشر قرنا. وليزعموا مستدرين العواطف، ويدلسون بان كل ما جرى ويجري: صراعاتنخبوية وليست مجتمعية . وان “الاعداء الطبقيين” و”الامبرياليين” و”المتشددين” و” الرجعيين” و”عملاء الاجنبي” واشباههؤلاء واولئك، هم من يشيع نبرة- فقط نبرة!!!- الطائفية ويغذيها !!. ودعوني ازعم من جديد ان كل ذلك ليس سوى ابرز حالات التخندق والاسفاف والجرمالطائفي.. والا فلنحدد الحال ونعترف بالواقع والوقائع، وليأتي بعد ذلك البحث عن السبل الناجعة لوقف الاحتراب المذهبي، وليس اقتلاعه من الجذور، فتلك امنيات ومهمات لن تتحقق الا بعد يُشاع التنوير، ويتعفف المجتمع عن الجهل والتخلف اولا، وقبل كل شئ .
    اخيرا، ولو ان الموضوع يتحمل الكثير والكثير، وليس من السهولة بمكان ان يُوجز ببعض مئات من الكلمات، اقول، وفي بعض قولي معاتبة لمن لايحرص بهذا القدر او ذاك على حياة الناس: ان لا تتركوا شعوب العراق تنقرض، تحت عباءات العاطفة والكبرياء، ومفاهيم” الارض والعرض” الموروثة البالية… ولا التغني بامجاد السلف، الصالح منهم او الطالح. فلم يعد هناك متسع من الوقت للقضاء على البلاء الظلامي الجاهل … وليكن التقسيم، المؤقت او الثابت “معصية” وان لم تكن، فحتى الدين “أحلّ” المعصيات لضرورات جمة، وهل هناك أفتك من الضروريات التي نعني؟ … أفليس “أذلُ خلقِ الله في بلدٍ طغت فيه الرزايا من يكون محايدا” ..
    اما الكلمات الاخيرة، في هذه الكتابة التي عمدت ان تكون مباشرة، فسأوجزها احترازا من شتامين متوقعين، وذلك ببيت شعر جواهري اثير، شافٍ وكافٍ، كما أظن، وليــــس كل الظن أثم في عالم اليوم :
خيرُ الشفاعة لي باني كاشفٌ حرَ الضمير وقائلٌ هذا أنا…

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.