لماذا الهجمة على متحدون؟

يزن احمد
المتابع للمشهد السياسي العراقي بعد 2003 ، يلحظ حالة الصراع المتجدد، والذي يأخذ من عمقه الطائفي مستلزمات المواجهة.
ولعل أحد أوجه هذا الصراع يبرز جليا الى العلن خلال الانتخابات من اجل تسقيط الشريك او المعارض ضمن منافسات غير شريفة في المرة، من منطلق الانتماء الفكري، والتكوين العقدي ليس إلا، حتى بعد تقديم كل الضمانات القولية والعملية، على تبني منهجية المواطنة بصفتها الهوية الجامعة لكل الاطياف تحت سقف الوطن الواحد.
وليس مصادفة ان تسبق كل انتخابات ، هجوم مسلح او معركة ضد منطقة او مدينة او محافظة محسوبة على المكون السني، لتحقيق غرض انتخابي على بعدين ، الاول :ارضاء او لنقل تحفيز النوازع لمؤيدي الطرف القابض على السلطة باستنهاض النعرة الطائفية، وتوجيه خطاب يستدعي مفرداته من عمق التاريخ، لتحقيق الاصطفاف المطلوب، فيما يأتي البعد الثاني لضرب التمثيل المكوني للطرف المقابل من اجل احباط دوره او ايجاد شرخ بينه وبين المكون الذي ينتمي اليه او يمثله.
وهذه الفلوجة، مثلا، فقد كانت مسرحا للعمليات العسكرية منذ أول انتخابات جرت في العراق الجديد، ما دعا ممثلي السنة الى مقاطعة الانتخابات في ظل تلك الظروف، وكأنها كانت خطة مدبرة في ليل او نهار لرسم سياسات مستقبلية لواقع العراق يعتمد أساسا على عزل هذا المكون او تحييد دوره لاحقا، وقد شهد المواطن السني حربا حقيقية في ما بعد ، حيث تعرض الى التصفية بكل أشكالها وألوانها،من الاعتقال الى فقدان الأثر، او القتل مباشرة ليعثر عليه في ما بعد في واحدة من المكبات او الانهر، وجاء رد فعله في الانتخابات التالية حيث شارك فيها بقوة استطاع ان ينال نصيبا معقولا من المقاعد، برغم انه لم يمثل استحقاقه بحال فعل استمرار طيف في عزوفه عن الادلاء بصوته في طل وجود الاحتلال، اضافة الى ان العملية الانتخابية لم تكن نزيهة مائة في المائة، لكن مع ذلك استطاع ان يضع لنفسه ضمانات الوجود على الساحة، والتحرك بأتجاه تحديد ملامح الهوية الوطنية التي لا تسمح بالتهميش او الاقصاء.
لكن الطرف المقابل ، حاول مرارا وتكرارا من خلال ما يمتلك من ادوات السلطة ، اضعاف التمثيل السني، سواء بالملاحقات التي لم تهدأ ضد مناطق واحياء سنية ، مرة بالمحاصرة والاعتقالات، ومرة او مرات بقطع الطريق امام استحقاقاته في الوظيفة، والجيش والشرطة ونحو ذلك، ما ينعكس بالنتيجة على ممثلي المكون، واظهارهم بصورة العاجز، وهذا الأسلوب الذي جرى إتباعه ، أثر بشكل من الأشكال على قناعات الكثير من الناخبين الذين قرروا العزوف عن المشاركة في الانتخابات ضمن حالة اليأس من التغيير.
وهكذا يتكرر أسلوب التعامل مع المكون السني مع اقتراب موعد الانتخابات ، ففي الانتخابات المحلية الأخيرة شهدنا عزل مقصود لمحافظتين من محافظات العراق وهما الانبار ونينوى ، في اثر صعود نجم ائتلاف متحدون على خلفية الانتفاضة المباركة للمحافظات الست، وكان المقصود من القرار مسبقا، خلق حالة من الاحباط داخل المكون السني، ورافق هذا الاجراء حملات دهم واعتقالات وفرض طوق من الحصار على مناطق واحياء سنية، بل ووصل الامر الى منع وصول الناخبين الى مراكز الاقتراع، من اجل افشال وصول ممثليهم الى مراكز متقدمة في الحكومات المحلية، اضافة الى تأجيج رد فعل مضاد، من خلال الهجوم على ساحات الاعتصام، كما حصل في الحويجة، وقتل من فيها، الى جانب السباق المحموم نحو تنفيذ احكام الاعدام بحق المعتقلين السنة من دون مراعاة لمعايير حقوق الانسان وتوفير المحاكمات العادلة للمتهمين.
وتبدو المعركة الاخيرة على محافظة الانبار ،خاصة مدينتي الرمادي والفلوجة ،ضمن هذا المخطط ، والا لماذا التوقيت الآن، ومع اقتراب موعد الانتخابات ؟.. ما يعني ان هناك غرضا مبيتا يعتمد على ايجاد شحن جديد يعطي للطرف الاخر فرصة لتحشيد انصاره لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة ، اعتمادا على قناعات طائفية تمثل اوجه الصراع الذي يخوضه ، كما يعزز لديه فكرة الولاء المذهبي، في تحديد الاختيار ، فيما يقابله خلق حالة من اليأس والقنوط لدى الطرف المواجه من صعوبة التغيير ، وبالتالي اعتماد خيار المقاطعة والقبول بالامر الواقع.
وفي هذا الاتجاه لعب الاعلام الموجه، والمدفوع الثمن، دورا اساسيا في تعزيز فكرة عدم المشاركة ، حيث شن حملة تسقيط متعمدة ضد اكبر قوائم اهل السنة والجماعة، ممثلة بائتلاف متحدون ، بقصد سحب مؤيديها وانصارها ليس في تقدير ولاءاتها الانتخابية فحسب، وانما في العزوف اصلا عن المشاركة ، مستغلين حالة الحرب المستمرة على مناطق اهل السنة، وتحميل “متحدون” مسؤولية ما يحصل برغم ان متحدون استطاع ان يقف بوجه هذه الحرب بكل ما يملك من ادوات ، ويقدم الدعوات والمبادرات لحل الازمة سلميا، اضافة الى كسب اصوات مناصرة لمحافظة الانبار ، وحزام بغداد، وديالى ونينوى داخليا وخارجيا، لكن وسط قرقعة السلاح ، وجعجعة الاعلام الزائف تصبح المواقف ضبابية ، لكن لابد ان ينقشع هذا الضباب وتتضح الرؤية قبل ان يدخل السنة في دوامة لا يخرجون منها.
لا نبغي من هذا الطرح ، التوجيه نحو مسارات طائفية ، بل العكس نريد ان نعزز من الدور الوطني الذي يحاول الاخير ان ينتزعه لتحقيق مصلحته بدوافع طائفية ، يخسر فيها الشيعي والسني معاً.
ان الهجمة التي تشن على متحدون لا يقصد منها رئيس الائتلاف ولا مكوناته ، بقدر ما يقصد منها السنة كمكون مهم واساس في بنية المجتمع العراقي، وهذه الهجمة لابد من ان تواجه بموقف واضح وصريح من خلال المشاركة في الانتخابات للحفاظ على الهوية ، وقطع الطريق على المراهنين باقصائنا من خلال افراغ الساحة من الواجهة التي تمثلنا.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.