الاباء…..!؟‎

تكاد السنين تختنق وتهم بالفرار من فرط الازدحام المتهالك فوق هامته النزرة الا ما بقي من شعيرات بيضاء  تقف شامخة لفقدانها ما تستند اليه ، اتعبتها النكبات المتعاقبة و عاث عليها الزمن وتكالبت فوقها الظروف وما بقي منها يعد باصابع اليد……..! يضرب الارض بمعول متكاسل كقطرات ماء من انبوب معيوب ،ويتحامل على نفسه ويجاهد كثيرا لينتصب ، الام الظهر والمفاصل والسكر و الضغط وتصلب الشرايين وامراض القلب تجتمع لتحتفل فوق هذا الجسد المعتق بمرارة الزمن وغدر الايام  ،تغرز اضفارها في تلك البنية العتيقة، تغزو الخشونة اطرافه وضعف البصر يملأ بالظلام ما تبقى من شعاع يطل من ربع نافذة بقيت لديه بالكاد تحتفظ بخارطة اتجاه بيته…..! بادرته التحية:

–“اعانك  الله على ما انت فيه…..!”                                                                                            
ردها بصوت متعب وهو لا يزال منكبا على ما هو فيه  كانه لا يستطيع رفع جسده منها الا بمساعدة نفرين او اكثر ،  يحفر اساس لبيت في قطعة الارض الملاصقة لداري  ….! جلست فوق دكة في عتبة الباب اراقب هذا الشيخ المتعب وهو يحفر وكأنه يحفر قبرا لنفسه من شدة  ما الم به من التعب وهو في عمر لا يؤهله  للقيام بعمل مضني ومنهك كهذا……..سالته:
— “يا عم ، هل لديك اولاد…!؟”
— “نعم اربعة اولاد وبنت…!”
— “الم يساعدك احد منهم…!؟”
— “لقد اخذهم الله الا من بنت واحدة معوقة وامها العاجزة..!”
–“كيف..!؟
–“الاول عريف في الجيش واستشهد في حرب الشمال مع الاكراد والثاني جندي احتياط استشهد ايضا في الحرب الايرانية والثالث فقد في احتلال الكويت والرابع كان ضحية لانفجار ارهابي…!!”                               وتوقف عن الحفر وبدأ كلامه يتغير من حشرجة تكسرت في حنجرته لتكتم عبرة كادت تخرج عنوة   واغرورقت عيناه بالدموع وسال نزر منها حتى بلل لحيته البيضاء ، مسحه بيده المرتعشة وقال:
–” يبدو انك فاض و لا شغل لك وتحب التسلية وقضاء الوقت في مشاكلي…!” قلت :
–“لا والله ، احببت فقط التعرف عليك وعلى وضعك الغريب عندي….!” اجاب:
–” وما الغرابة في وضعي ، انا رجل فقير ولدي مسؤولية عائلة اسعى للحفاظ عليها من الجوع والعوز….!؟”
هنا ساد الصمت بيننا وشعرت ان الدم قد تجمد في عروقي ، ناضلت كثيرا من اجل اخفاء مشاعري الهائجة والتي تكاد تفرض نفسها بالخروج عنوة رغم الضغط الثقيل الذي يولده تحفظي على منعها من ذلك ، على الاقل امام قمة الآباء تلك و التي ترفض الذل وتأبى التذلل وتضحي بما تبقى من رمق حي من اجل الدفاع المستميت وبكبرياء وتحفظ عن تطلعات عائلته التي لا تملك من اسباب الحياة سواه…….!؟ اخذني هذا المعنى الكبير بعيدا وتساءلت ، ماذا لو كان هذا الانسان ابي….نعم فهو ابي او يشبهه بكل شيء، شجاع ،عنيد ،حريص ومخلص لدمه وجلدته….تذكرت كل شيء فيه كان رحمه الله يحملنا فوق كتفه صغارا وكبارا، يخفي المه  امامنا وحين ينفرد بنفسه يهاجمه الالم من كل جانب لا يفضي ذلك لاحد حتى امي، سألتها مرة عن امتناع ابي عن الاكل معنا فأجابت انه يخشى ان تسبق يده يد احدكم للقمة قد وصل نظره اليها قبله ، لذلك فضل تناول الطعام بعدنا…!؟ يجوع هو حتى نشبع نحن…! ايقظني الرجل من غفلتي تلك حين سألني عن الوقت فأجبته:
–” الساعة تشير الى الثانية ظهرا”
لملم حاجياته بصمت ووضع المعول عل كتفه ورحل بعد ان تركني في صراع لا نهاية له….!؟

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.