الى ابنة النور وطين سومر

قبل سبعة اعوام من الان اتذكر خالتي وهي ترتدي ملابسها الدينية وتمارس طقوس تعميدها في النهر صورة تشبه الحلم او لوحة رسمت على جرف النهر لم افهم ما كانت تررده لانني كنت مأخوذة بمشهد ملابسهم البيضاء وهي تلتصق على جسدها تبدء من اول غرسة لرجليها على جرف النهر وتبدء بالتصاعد كلما بللتها  قطرات الماء التي يدفعها الشيخ بيده نحوها، مأخوذة بتيجان اغصان الزيتون على جبينها وهي تصارع الماء لتثبت هناك٠

ولدت انا من ام صابئية واب مسلم، وعشت نصفين متفقين على ان لا ينفي احدهما الاخر فكانت روحانية الصابئة
 المندائين تلف روحي وتغري فضولي للبحث عن منابعها واشباع كل جوع علامات الاستفاهام الفكري، كما كان يعجبني دين ابي الا في بعض الاشياء، احب سورة مريم واية الكرسي،

واكره اذا وقعت الواقعة واموت رعبا من رفعت الاقلام وجفت الصحف، حتى اني اتخيل نفسي حين تلاوتها ان انفاسي تبدء بالنقص ونبضات قلبي تتسارع وتسقط روحي في هوة الخوف فأتشبث بأي آية تعثر عليها ذاكرتي اتلفلف بها من رعب الاله٠
الحقيقة انا لم اختر قدري وكل ما عداه هو من اختياري٠ لكن لا اخفيكم انني جدا سعيدة لانني كائن عاش بين حيرة ان يكون مسلما او مندائيا ولم يقرر ان يختار اي منهما الى هذه اللحظة، سعيدة لانني نضجت على نار الهنا والهناك، نار صراع نصفي الايمن والايسر، فكبرت روح حرة كسرت كل قيود العقائد٠
سعيدة لان امي كانت تبرخ وترشم (تتوضأ وتصلي) على دينها في نفس المكان الذي يمد بها ابي السجادة صوب الكعبة، انا من القلة الذين تذوقو حلاوة ان يكون لك اكثر من عيد وتمارس اكثر من طقس لا يشبه احدها الاخر، اتخيل  حياة كهذه عبارة عن لوحة رُسمت بدقة ابسط تفاصيلها على يد قدر شديد للغرابة تعايشت كل متناقضاته بسلام ٠
اعرف ان حياة كهذه ستحصرنا امام خيارين لا ثالث لهما اما ان اكون شخصية متشضية لا اعرف ايهم اكون او ان اغرف من الطرفين ماشئت من الالوان لارسم وجهي انا واحدد من انا الان ومن اريد ان اكون٠
الى هذه اللحظة ما يزال ملمس سلال (اللوفاني) او ما يعرف عندنا الثواب على ارواح الموتى مطبوعا على باطن كفي، اتذكر صورة تلك السلال وهي محمولة بتلك الايادي النحيلة التي ترتجف من برودة الماء وهي تتبارك على جرف النهر٠
تدور السلال او (الطبگ) بين المتواجدين  ويترجاك الاهل ان تمد يديك نحو ثوابهم، طبعاً لا يهم من انت ومن تكون سواء اكنت مسلما او صابئيا او مسيحيا سيقدمها لك فأتخيلهم سنابل امتلئت ثمر محبة تحنو على الارض تطعمها٠
يااااه مسكين من لم يكن له ذرية صالحة تقدم له الثواب ستظل روحه هائمة تبحث عن من يطعمها تحوم  حول رؤسنا كنسمة رقيقة تتوسلنا نحن الاحياء ان نقرأ ملواشتهم ( الاسم الديني للشخص المتوفي) لتشبع جوعها الممتد من سنين٠
كلما تذكرت ذلك المشهد اتمزق من داخلي وادخل في متاهة اسئلة لا حصر لها، لماذا تم نفي امي واهلها بهذه الطريقة الوحشية من ارض وانهار لم يعرفو غيرها ولا يتباركوا بغيرها؟ من له الحق بسلب مقدسات الاخرين؟ من اين للانسان كل هذا الكم الهائل من الغضب الذي تجسد على شكل رفض للاخر المختلف؟
بصراحة اشفق على اولئك الذين لم يتذوقوا حلاوة التعدد، اشفق على من لا يمتد نظره ابعد من انفه، سيعيش ابد الدهر في زنزانة مظلمة ورطبة مثقل هوائها بالكراهية، اشفق على اولئك الذين جهلو ان الكون في ايامه الخمسة النورانية، حيث تجلت قدرة الخالق (معظم إسمه) في خلقه لعوالم النور اليوم هو عيد (البرانية، أي البرية والارض)، عيد الخليقة “هذه الأيام الخمسة البيضاء تجلى فيها الرب وأعلن عن نفسه في الوجود حيث انبثقت صفاته وأسمائه في تلك الأيام حيث انبثقت صفة الحياة في اليوم الأول والعظمة في اليوم الثاني والمعرفة والعلم في اليوم الثالث، أما اليوم الرابع فانبثقت واحدة من صفاته ألا وهي الحق ، وفي اليوم الخامس تفجرت المياه الجارية وهي سر من أسرار هيي قدمايي ومنها خلق الزمن والسنة المتكونة من 365 يوماٌ وكذلك خلقت عوالم النور (مكان الرب) من تلك المياه، في ايام البروناي ارى الله تعالى ذاته نورا سنيا وماء جاريا نقيا وملائكة الاثريين النورانيين وبشرا اتاهم العقل والعلم فوهبوا يسجدون بنعمه”
لا انكر ان الالم يعتصر روحي كلما تذكرت ان ابناء ديني من ابي يرفضون ابناء ديني من امي، اتألم لان العبث بمقدساتهم وتسفيهها صارت مذهبا وشريعة عند المتأسلمين، اتألم لان الموتى هائمين على وجوههم في حضن سومر لا ولي يدفن عظامهم التي نبشت تحت حجة السرقة، اتألم لان اجدادي ليس لهم من يشبع جوعهم، واتألم لان  امي منفية في ارضها تخاف حد سيوف اخوة ابنائها في الدين

الى امي واخوتها ابناء النور السومريين كل عام وانتم  غصن زيتون على جباه انهكتها الحرب كل عام وانتم ملح هذه الارض وقمحها .

نور القيسي
nooraalqaissi@yahoo.com 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.