المواجهة العسكرية المقبلة بين بغداد وأربيل

محمد واني
كل الدلائل تشير إلى أن الحكومة المركزية في بغداد التي يقودها حزب الدعوة ستشن هجوما واسعا على حكومة إقليم كردستان الخارجة عن نطاق سلطتها الإدارية التي يحاول رئيسها «المالكي» جاهدا أن يبسطها على كامل أجزائها، ولكن بعد أن تنتهي من حربها الجارية مع العشائر السنية في محافظة الأنبار، فالخطاب السياسي المتشدد والمباشر والخالي من القواعد الدبلوماسية من جانب قيادة الحكومتين والتصعيد الإعلامي الخطير الموجه والتراشق الكلامي الاستفزازي المتبادل، والاستعدادات العسكرية الجارية بين قوات الطرفين اللذين يحشدان قواتهما بمحاذاة الشريط الحدودي في الأراضي التي تسمى بالمتنازع عليها، بانتظار ساعة الصفر، واستعدادا لاجتياح الإقليم قامت الحكومة المركزية بتشكيل قيادة عمليات دجلة من ضباط وقادة عسكريين بعثيين سابقين ممن يشملهم قانون اجتثاث البعث وعلى رأسهم الجنرال «عبدالأمير الزيدي» الذي كان له دور بارز في إبادة الأكراد في عمليات الأنفال عام 1988 والتي ذهب ضحيتها بحسب الروايات الكردية (180 ألف إنسان)، فعلت ذلك نكاية بالأكراد، وقد اعتاد زعيم حزب الدعوة «الإسلامية!» ورئيس الوزراء نوري المالكي منذ أن تولى الحكم في 2006 أن يعيد العسكريين البعثيين السابقين إلى الخدمة للاستفادة من خبراتهم العسكرية واستعمالهم ضد خصومه، ولكن ليس كل العسكريين، بل فقط الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية وميليشياتها المتطرفة، وإزاء استفزازات «المالكي» لحكومة الإقليم وتهديداته المستمرة لتجربتها الديمقراطية المتطورة، قام الأكراد بدورهم بتشكيل قيادة عمليات عسكرية مماثلة من جيشها الخاص المسمى «البيشمركة» أطلقوا عليها (قيادة قوات حمرين) ووضعوها على أهبة الاستعداد لمواجهة أي خرق حدودي تقوم به قوات «المالكي» العسكرية التي يبلغ تعدادها مع القوات الأخرى الأمنية أكثر من مليون جندي، ويرى كثير من الأحزاب والكتل العراقية ومن ضمنها الأكراد أن هذا الجيش غير دستوري لم يكتسب صفته الدستورية من البرلمان، فهو عبارة عن مجاميع «ميليشياوية» مسلحة تبدي ولاءها لشخص واحد وهو «المالكي»، ومعظم قادة وضباط هذا الجيش عينهم رئيس الوزراء «وكالة» لكي لا يضطر إلى أخذ موافقة البرلمان، وهي حيلة لجأ إليها رئيس الوزراء لتكريس نفوذه السياسي الداخلي، وقد ذكرت اللجنة النيابية أن أكثر من 3000 مدير عام في الحكومة العراقية يشغلون مناصبهم بالوكالة و19 قائد فرقة عسكرية معينون بالوكالة أيضا، بالإضافة طبعا إلى الوزارتين الأمنيتين المهمتين «الدفاع والداخلية» بـ«الوكالة»!لم يترك رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي فرصة إلا واستغلها ضد الأكراد منذ أن وضع قواته في حالة التأهب القصوى أمام القوات الكردية في مدينة «خانقين» عام 1988 بسبب رفع الأعلام الكردية فوق المباني الحكومية في هذه المدينة التي خضعت لسيطرة الأكراد منذ 1991 وكادت أن تحدث معركة كبيرة بين الجانبين لولا الوجود الأمريكي الذي حال دون حدوث ما لا يحمد عقباه، حاول بكل الطرق، أن ينال من تجربة الأكراد الرائدة في الإقليم، فالإدارة الذاتية المستقلة والعلاقات الخارجية المتطورة والنهضة العمرانية المتقدمة والحركة التجارية النشطة (حجم التبادل التجاري مع تركيا يصل إلى أكثر من عشرة مليارات دولار وهو أكثر بثلاثة أضعاف من حجم التجاري العراقي مع نفس الدولة) وحالة الاستقرار الأمني المستتب التي لا يمكن مقارنتها بالوسط والجنوب من العراق، وتوجه الإقليم نحو سياسة نفطية مستقلة عن بغداد واستقطاب الشركات النفطية العملاقة لاستخراج النفط، كل هذه الأسباب دفعت ببغداد وحلفائها من الدول الإقليمية إلى استهداف الإقليم الكردي ومناصبته العداء، لا يمر يوم دون أن تثير حكومة المالكي أزمة مع حكومة الإقليم وتضع عقبة أمام طريقها، الأمر الذي أدى بقادة الإقليم إلى سحب وزرائهم من الحكومة وامتناع أعضائهم في البرلمان عن حضور جلساته، وعلى الرغم من الزيارات المكوكية للوفود الكردية إلى بغداد وإبرام اتفاقيات مع قادتها فما أن يعود الوفد إلى أربيل حتى يبدؤوا بإثارة أزمة جديدة وهكذا دواليك..وآخر هذه الأزمات التي أشعلها المالكي بوجه الأكراد، هي قطع رواتب الموظفين في الإقليم مع أن الوفد الكردي اتفق مع بغداد على تسوية الأمور العالقة الخاصة بالنفط، وقد أبدى رئيس الإقليم «مسعود بارزاني» امتعاضه الشديد من هذه السياسة لوسائل الإعلام وقال (قام عدد من الوفود بزيارة بغداد واللقاء برئيس الوزراء العراقي، ولكن فوجئنا بقطع رواتب موظفي الإقليم) وأضاف: (المسألة ليست الميزانية أو النفط، المسألة أكبر من هذا بكثير، فهي محاولة لكسر إرادة وهيبة الأكراد وكردستان، فهم يريدون أن نكون على الهامش ولا نكون أصحاب قرار) وإزاء إصرار حكومة المالكي على موقفها المتشدد الرافض للحلول التوافقية مع الشركاء السياسيين، ستتواصل الحروب الدموية بين حلفاء الأمس وأعداء اليوم..كل الدلائل تشير إلى ذلك.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.