إغتيال الدكتور محمد بديوي الشمري مسؤولية الدم في عنق أولياء الدم

محمد الجاسم

مازال العراق يئن شديداً من جراحاتٍ أُثخن بها من قبل عوامل داخلية وأخرى خارجية..ومما يدعو الى الأسف ان تداخلاً غير منطقي قائماً بين مصالح العوامل الخارجية وبين إنحناء العوامل الداخلية لتنفيذ أجندات تلك العوامل واستلام الأموال والأفكار والفتاوى والتوجيهات من الخارج لتعكير صفو الحياة الطبيعية ومحاولة إفشال تجربة الديموقراطية القائمة في العراق حالياً.وقد تم إدخال العراق قسراً في أنفاق ملتوية ومظلمة على شكل أزمات سياسية وإقتصادية وأمنية،وأخذت البلاد تترنح تحت تأثيرات تلك الأزمات،ولأول مرة أرى في حياتي ان بلداً تتقاذفه الرئاسات المختلفة وتتقاطع فيما بينها المصالح القومية والحزبية والطائفية لدرجة أن وصلت فيها الأمور إلى خط اللاعودة،وكلما حاولت جهة من الجهات أن تدفع بالعجلة الى تجاوز الأزمات وتشحذ الهمة بالمبادرات والنصائح نرى ثمة من يستحضر العصي المناسبة لعرقلة تلك العجلة عن المضي والمتابعة.
     إن جريمة إغتيال الدكتور محمد بديوي الشمري على يد ضابط في قوات البيشمركة التابعة لقيادة إقليم كردستان وهو أعزل لمجرد تلاسن وشجار في الشارع،تأتي ضمن سياق هذه المعادلة المرتبكة لصناعة الأزمات في العراق الجديد ،وقد كشفت هذه الواقعة التراجيدية عن طريق الصدفة عن خرق غير متوقع من قبل أبناء الشعب لسلامة أمن المواطن العراقي ،حين إتضح للعيان ان القوة العسكرية المسلحة المسماة بالفوج الرئاسي ،وهو فوج مكلف بحماية مقر رئيس الجمهورية،إنماهو عبارة عن قطعة ميليشيا تابعة لقيادة إقليم كردستان وتتخذ من بغداد مقراً ومعسكراً ،ورجالها بكامل أسلحتهم وعتادهم وعدتهم العملياتية واللوجستية ،وكل ذلك دون أن يكون لقيادة عمليات بغداد أو وزارة الدفاع أو مكتب القائد العام للقوات المسلحة أية إدارة أو سيطرة عليهم أو قدرة على مناقلة القطعات أو إعادة الهيكلة أو تنسيق ميداني مثلاً، ،وقد رفض فعلاً بداية القصة آمر الفوج الرئاسي تسليم الجاني إلى القوة المشتركة التي وصلت لإلقاء القبض على القاتل بأمر من القائد العام للقوات المسلحة ،وهذا بحد ذاته مخالفة دستورية وسخرية علنية من هيبة الدولة وإستهانة بالنظام الإتحادي..ولا أدري إن كان رئيس الجمهورية العراقية منتدباً من دولة أخرى ليأتي بحرسه الخاص معه أو أنه سفير لدولة أجنبية ليأتي بطاقمه الأجنبي ويتحصن بسفارة ذات سيادة ..وهل حراسة الرئيس لاتكفيه إلا تشكيل (فوج رئاسي)..؟؟
     إن هذه الاسئلة وغيرها موضوعة أمام الحكومة والبرلمان إذا كنا في بلد فيه حكومة وبرلمان لإعادة النظر بوجود هذه الميليشيا في قلب العاصمة العراقية وهي تحمل ولاءً عسكرياً غير الولاء للعلم العراقي والدولة العراقية،وتشكيل قوة أمنية من الجيش العراقي أو الشرطة الإتحادية كفوج رئاسي تتحمل الحفاظ على أمن المواطن الإعتيادي قبل أمن رئيس الجمهورية أو أية رئاسة في الدولة وتنتقل واجباتها الأمنية والحراسية من رئيس جمهورية إلى رئيس جمهورية آخر حسب التعاقب في الوظيفة ولكن يبقى ولاؤها ثابتاً للوطن والدولة دون التحكم بها من قبل تشكيل سياسي أو حكومة إقليم أو محافظة ينتسب لها رئيس الجمهورية في وقت تكليفه الرسمي.
     ما حصل هذا اليوم من جريمة إغتيال للصحافي والإعلامي والأكاديمي محمد بديوي الشمري يُعدّ سابقة خطيرة في طريقة التعامل بين الأجهزة الأمنية والقلم الحر،وإعتداءً صارخاً على حرية المواطن وكرامته،وقد يعقب الحادث ردود أفعال إرتدادية إذا لم تسارع الحكومة والقضاء للعب دور الصائن لحرمة دماء المواطنين والكافل لكرامتهم،علماً أن التقارير تتحدث عن ممارسات غير لائقة بكرامة المواطن العراقي قد بدرت من منتسبي هذه القوات الميليشياوية سبق أن إشتكى منها  مواطنون ومسؤولون محليون في قضاء الكرادة ومحافظة بغداد.إن هذا السلوك الشائن لأحد منتسبي هذه القوة وإتصافه بالإجرام البشع الذي وصل حد القتل بالدم البارد وفي عرض الطريق وأمام المارة إنما هو استهتار وتدني مستوى الأخلاق والإنتماء الوطني الذي يحمله الجاني وهو برتبة ضابط ،مما يتطلب التحقيق الدقيق في حيثيات الجريمة وتقديم المسؤولين عنها إلى القضاء العراقي لينالوا عقابهم المناسب،وهو درس جديد للقيادة السياسية والعسكرية في بغداد وإقليم كردستنان العراق لأخذ موضوع وجود هذه القوة خارج السياقات التعبوية للدولة العراقية مأخذ المعالجة العاجلة خشية تكرار مثل هذا الحدث المفجع..
وربّ قولٍ أنفذ من صول.

amir_men_uur@hotmail.de

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.