الوجه الفني للعراق في برنامج أحلى صوت ووجه السياسي على أرض الواقع

سالم ايليا

لقد إنتهى الموسم الثاني لبرنامج أحلى صوت ( The Voice ) قبل أسابيع وبنسخته العربية المستنسخة من نسخته الأصلية الهولندية والتي أستنسخت منها ايضاً نسخهِ الأمريكية والأسترالية والإنكليزية ـ ـ الخ من النسخ ، حيثُ تبنت البرنامج قناة ال mbc اللبنانية وبالمشاركة مع mbc مصر .
والبرنامج المقتبس يعتمد في مبدأه على هدفين أساسين ، أولهما : الربح المادي من خلال واردات التصويت وبالإتفاق مع شركة الإتصالات ، أما المبدأ الثاني فهو البحث عن أجمل صوت في العالم العربي والشرق أوسطي وتبنيه فنياً لفترة محددة لمساعدته للوصول الى النجومية الإقليمية أو حتى العالمية ! ! .
البرنامج إستقطب ملايين المشاهدين في الشرق الأوسط والعالم وذلك لطريقة إعداده التقني والفني العاليي المستوى وإشراك نُخبة من النجوم كمحكمين ومدربين مثل الساحر “كاظم الساهر” قيصر الإغنية العربية كما أطلق َ عليه ، كذلك للإغراءات المادية الضخمة التي لم تكن متوفرة للموهبة قبل سنوات قليلة والفرص الإعلامية والتسويقية الهائلة التي ستتيح للمتسابقين الشهرة السريعة والواسعة وهذا ما حدا بالفنان العراقي ذو الصوت المتمكن “عامر توفيق” زميل المطرب كاظم الساهر للمشاركة في البرنامج على الرغم من بلوغهِ الخامسة والستين من عمرهِ !!! .
لقد تابع البرنامج المهاجرين من مختلف الأجناس والأعمار إضافة الى الملايين في داخل الوطن العربي وسأقف هنا عند شريحتين من المشاهدين دفعاني الى كتابة هذه المقالة ، أولهما : ليديا الصبية ذات الإثني عشر عاماً والمقيمة في السويد مع ذويها منذُ أكثر من سبعِ سنوات والمصابة بمرض السرطان  حيثُ تعاني منه منذُ ما يقرب العام وهي في طريقها الى قهر المرض بإرادتها الصلبة إنشاء الله ـ ـ ليديا هذه الفتاة الرائعة الجمال رسّامة وفنانة للإعمال اليدوية مرهفة الأحاسيس تحب الحياة وتتفاعل مع مرضها وعلاجها الكيموثربي بكلِ شجاعةٍ وبأس قلّ نظيريهما !! ـ ـ خرجت من المستشفى بعد معاناة شديدة وصراع مع الألم لتذهب الى البيت وتجلس أمام الشاشة الصغيرة لتشاهد الحلقة الأخيرة من البرنامج لتشجيع العراقيين الوحيدين اللذين وصلا الى النهائيات !! وحال فوز احدهما إتصلت باختها في الرضاعة وبنت خالتها مريان المقيمة في كندا لتزف لها خبر فوز أحد العراقيين بـ ” أحلى صوت ” وفوز العراقية سوسن مجيد بأكثر الإتصالات في البرنامج ـ ـ ليديا أرغمتني بوطنيتها وحبها للحياة على كسر عزوفي عن الكتابة ولأكثر من سنة .
أمّا الشريحة الثانية من المشاهدين فهو أحد السياسيين المهاجرين منذ ما يقارب العشرون عاماً وذو الفكر الأيديولوجي وقد تجاوز منتصف العقد السابع من عمره ، إذ فاجئني في حديثه معي بمتابعته للبرنامج  وإنتقاده للقيصر لكلامه عن لسان النجمة ” شيرين ” من إنها طلبت هدية ” Baby ” وقال : ” إنني أحترم الفنان كاظم الساهر ، لكن كلامه هذا لا أوافقه عليه ” ، فقلتُ معقباً بانّ للساهر حساباته الخاصة وهو ذكي ولربما أراد ان يوصل بطريقته الواضحة ما حدث بينه وبين النجمة شيرين من دعابة بريئة خلف الكواليس سمعها غيرهما من المتواجدين قبل أن تخرج الى الجمهور كإشاعة تأخذ مداها في التأويلات على السنة المتصيدين في الماء العكر خاصة وان للقيصر الكثير من المتربصين والحاقدين ، كذلك أراد أن يحمي زميلته في التحكيم من السنة السوء لعفويتها الزائدة ، فوافقني محدثي على إستنتاجي هذا .
لقد رغبتُ من خلال عرض تلك الشريحتين أن أبين للقارئ الكريم بان البرنامج قد أمتدت عروقه الى كل شارع وزقاق بل الى كل بيت من بيوت المشاهد الشرق أوسطي أينما كان ولهذا حاولتُ كمتابع لما يجري من أحداث في منطقتنا الشرق أوسطية أن أتابع هذا البرنامج الفني على الرغم من إبتعادي القسري ، فكنتُ أتابع الحلقات المسجلة خلال إجازتي الدورية !! .
غير أن هذا البرنامج بدأ في موسمه الثاني بالإنحراف عن أهدافه المعلنة ليتخذ طابعاً قطرياً وسياسياً من خلال حضور بعض السفراء والمسئولين السياسين لبعض الأقطار المشاركة لتسويق أجندتهم السياسية وإبراز ” وطنيتهم ” إعلامياً والتي لم يعد المواطن العربي أو المحلي يشعر بها ، وكنتيجة حتمية لهذا التسييس وإستغلال المشاعر الوطنية للمواطنين إزدادت بوادر الفرقة والتناحر لمواطني الأقطار المشاركة من خلال الدعم ” الوطني ” العاطفي للمشارك أو المشاركة دون الإعتماد على مبدأ ” أحلى صوت ” من خلال التصويت المكثّف ولمرات عديدة قد تصل الى مئات الرسائل الهاتفية للشخص الواحد وبهذا يتحقق الهدف الغير معلن للقناة وهو الربح المادي مستغلة وبأبشع الطرق حاجة المواطن العربي أو الشرق أوسطي الى الترفيه ، حيث عززت القناة هذا التوجه بتخصيص سيارة كهدية ورحلات مجانية مع النجوم لأعلى رقم من التصويت .
لقد جاء توقيت قناة الـ mbc مناسباً مع حاجة المواطن العربي والشرق أوسطي الى متنفس يعيد اليه البسمة في خضم الأحداث المتلاحقة لمنطقته ونفوره مما يجري من حروب ودمار وإقتتال ليس له فيه يد والمآسي المترتبة لربيعٍ عربي لم يرى منه غير اللون الأحمر القاني لورد الجوري الذي إصطبغت به أجساد الضحايا ورقابهم المنحورة من الوريد الى الوريد والمترادفة مع صيحات الله أكبر التي باتت ترعب المواطن !! .
لقد كان البرنامج لهذا الموسم (2014م) عراقياً بإمتياز لإختيار أحد عشر صوتاً عراقياً من الأصوات الإثنين والخمسين المتنافسة للحصول على اللقب والذي توّج بحصول المتسابق ستار سعد عليه كـ ” أحلى صوت ” على الرغم من قلّة العنصر النسوي العراقي المشارك . كذلك فازت المواطنة العراقية سوسن مجيد عبدالرزاق بالسيارة لأعلى رقم من المتصلين ، والحق يقال فإن الحاصل على اللقب إستحقه بإقتدار من خلال المنافسة الشديدة بينه وبين مواطنه العراقي ” سيمور جلال ” الذي لم يكن موفقاً في الحلقة الأخيرة في إختيار أغانيه ، كذلك ثقته الزائدة لحد الغرور على أنه الفائز حتماً حتى قبل إعلان النتائج والتي ربما أفقدته توازنه فخسر الدعم على عكس الفائز ” ستار سعد ” الذي بقي محتفظاً بهدوءه .
وفي إعتقادي فأن مدرب سيمور جلال النجم صابر الرباعي يتحمل الجزء الأكبر لفشله في الوصول الى المرتبة الأولى لإختياره موال المطرب ناظم الغزالي ” عيرتني بالشيب وهو وقار” وتحويل لحنه البغدادي الأصيل الى اللون الجنوبي والذي أفقد الموال جمالية لحنه المتميز، على عكس النجم كاظم الساهر الذي إستخدم خبرته في كبح جماح الإنفعالات الغير محسوبة عند ستار سعد ومن ثمّ إختياره لأغنية أبرزت طبقات صوته الشجي ، وأنا شخصياً كنتُ مرشحاً المتسابق سيمور جلال باللقب لغاية الحلقة الأخيرة وذلك لإمكانيات صوته ومساحته إضافة الى الكارزما العالية في شخصيته عند وقوفه على المسرح ، كما وإن المتسابقة السورية ” هالة القصير ” كانت متمكنة جداً ولربما كانت المتنافسة الوحيدة لستار سعد في حلقة البرنامج الأخيرة ، وبالطبع لم يكن للإشاعات التي تلت الحلقة الأخيرة أي صحة في دعم النجم كاظم الساهر أو أحد أقرباءه لستار سعد ، فهو أذكى وأرفع من المجازفة بتاريخه وشهرته للحظة فوز لتلميذه الصاعد الذي إستحقه عن جدارة .
لقد تعرض وما زال يتعرض الفنان كاظم الساهر هذا الرمز العراقي الى الإنتقادات من بعض الفاشلين في الوسط الفني لأنهم يشعرون بفشلهم كلما إزداد كاظم تألقاً ، فالموسم الماضي تعرضوا له لإنطوائيته وحذره كنجم تحسب عليه كل كلمة وكل هفوة وهذا الموسم إنتقدوه لإنفتاحه وتفاعله مع زملائه ، وجميع هذه المحاولات سوف لن تؤثر على نجم وصل الى ما وصل اليه كاظم الساهر ، وأستذكر هنا حديث لمؤلف مسرحية ” شاهد ما شافش حاجة ” لعادل إمام حين أراد المحاور مع المؤلف إستغلال الخلاف السابق بينه وبين عادل إمام حول أحقية ذكر أسمه في الإعلانات ، حيث قال المؤلف للمحاور : ” ما ينفعش أتكلم الآن على عادل إمام ، لأنه وببساطة أصبح سوبر ستار وسوف لن يؤثر على مكانته أي كلام يقال ، فلماذا أصغر نفسي بالهجوم عليه ” !! إنتهى كلام المؤلف ، لكن وللأسف بعض المستكينيين في الوسطين الفني والإعلامي يحاولون التجريح برمز من رموز الفن العراقي بل واجهة حضارية نحن بأمس الحاجة لها الأن للتغطية على فشل السياسيين في إبراز وجه العراق الحقيقي ، فنرى البعض يكيل الإتهامات ويلوم الساهر لعدم ذهابه الى العراق لإحياء الحفلات ـ ـ فالى أين يذهب وأين يغني ـ ـ أيغني لأهلنا في أربيل ويترك أهلنا في الموصل والبصرة والناصرية لأحزانهم ، أم يغني في بغداد الجريحة والثكلى بأبناءها ، وهل هنالك ضمانات أمنية كافية من عدم تحوّل الحفل الى مآسات حقيقية بإنفجار عبوة ناسفة بين الجمهور الحاضر ـ ـ ولربما الكثير من العراقيين لا يعلمون بان الساهر إنتظر سنوات طويلة لعرض أوبريته ” كلكامش ” على أحد مسارح بابل التاريخية وعندما أرهقه الإنتظار قرر تحويله الى فلم سينمائي ولحد علمي .
لقد حاولت بعض الأقلام الصفراء المس بسمعة المطرب كاظم الساهر حين إشترك زميله السابق في المسرح العسكري الفنان المقتدر عامر توفيق في البرنامج والذي حاز على إعجاب الجميع لإمكانياته الصوتية والفنية العالية ، وأخذت هذه الأقلام تكيل التُهم جزافاً على عدم وفاء الساهر لزميله ، في حين إن الساهر كان أول الملتفتين الى صاحب الصوت العذب عامر توفيق متعرفاً عليه من خلال صوته ، وقد خذل الفنان عامر توفيق هؤلاء النفر بتصريحه في إحدى المقابلات حين سأل عن الذي تعاطف معه أكثر من غيره من المدربين ؟ فأجاب قائلاً ” كاظم الساهر تعاطف معي وشعرتُ به وحين قرر عاصي الحلاني إخراجي من المسابقة شعر كاظم الساهر بالحزن ونزلت الدمعة من عينيه ولم يستطع أن يتكلم لأنه ضمن اللجنة ” إنتهى كلام الفنان عامر توفيق .
لقد أبلى الفنانون والرياضيون بلاءاً حسناً لإظهار العراق بمظهره الذي يليق به في المحافل التي إشتركوا فيها للتغطية على إخفاقات وجرائم السياسيين ـ ـ قتل وتفجيرات من جميع الأطراف والضحية المواطن البرئ ـ ـ إغتصابات وعهر لم نسمع بهما حتى على أيام هولاكو ـ ـ قرارات لمجلس المحاصصة البرلماني تحط من قيمة الإنسان العراقي وبالأخص المرأة ـ ـ شراء ذمم وتدمير كامل لسلوكية الإنسان العراقي ، وسؤالي هو : أيصلح الأخيار من الرياضيين والفنانين ما دمره الأشرار من السياسيين ؟ ولربما من الأفضل أن يصوّت الشعب في الإنتخابات على قائمة الأحد عشر مشاركاً في برنامج ” أحلى صوت ” فهم من يستحقوا الإنتخاب . (1)
 
الهوامش :
(1) المشاركون الأحد عشر هم : آشور تامروس ، سامر السعيد ، كرار صلاح ، ستار سعد ، سيمورجلال
، علي حسن ، عدنان بريسم ، ريتا موسسيان ، مهفان صالح ، عامر توفيق ومحمد الفارس .

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.