الاقرار بخصوصية المكونات العراقية اول خطوة نحو الانفراج

محمدواني
اخطأت الدول الغربية الاستعمارية عندما دمجت المكونات العراقية المتناقضة في بوتقة واحدة وفي اطار دولة واحدة ومن دون وضع اي اعتبار لارادتها الحرة في قبول او رفض هذا الاندماج القسري والادهى انها جعلت من تناقضاتها الصارخة المختلفة وصراعاتها التاريخية المستمرة محركا اساسيا للدولة ، وبرنامجها السياسي الدائم ، وربما تكون قد تعمدت ذلك لكي تستمر في مشاكلها وتنشغل بنفسها في فوضى عارمة وتناحر دائم لكي تحقق مصالحها في المنطقة بشكل عام وليس في العراق فحسب ، وفق قاعدتها المشهورة (فرق تسد) ، وكانت في منتهى الاستهتار بالقيم الانسانية وحقوقها الطبيعية  ..واخطأ نظام البعث العربي العراقي عندما حاول بكل الوسائل القمعية  حشر تلك المكونات في دولة واحدة واخضاعها لارادته الشوفينية وتعامل معها بمنتهى اللاانسانية ، ففي عملية الانفال السيئة الصيت وصل الى ذروة وحشيته عندما قام بدفن 182 الف كردي وهم احياء وكذلك قصف مدينة”حلبجة”بالاسلحة الكيمياوية وهدم اربعة الاف قرية على رؤوس اصحابها فقط لكي تجبرهم على الولاء للدولة او الوطن بمفهومه القومي الشوفيني المدمر ، الذي يريدون فرضه على الاخرين ، بحجة تعزيز هيبة الدولة والحفاظ على سلامة الوحدة الوطنية ، وهذا مستحيل ، فلايمكن فرض الوطنية بمفهومها العنصري العربي على الاكراد مثلا الذين يختلف تكوينهم الحضاري والفكري واللغوي والجغرافي عن التكوين الحضاري للعرب ، ماذا تعني الشعارات التي يدعو اليها العروبيون حول الوحدة العربية  والامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة للاكراد الذين لا يعرف القسم الاكبر منهم اللغة العربية ، وما علاقتهم بهذه الدعوات الغريبة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل ؟ ولاتمت الى مجتمعاتهم بصلة ، وقد تكون طروحات العروبيين القومية مفهومة وواضحة لدى العرب ، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للشعب الكردي ،  فكيف يرفع العروبيون شعار الحرية والاستقلال والوحدة لاراضيهم المجزأة وامتهم المقسمة ، ويعتبرونه عملا قوميا بطوليا ونضالا سياسيا مشروعا ، بينما يحرمون على الاكراد رفع نفس الشعارات ويلاحقونهم و يعاقبونهم عليها ويوصمونهم بالمتمردين والانفصاليين ..وازاء رفض الاكراد المستمر لطروحات الانظمة الحاكمة الوطنية الزائفة غير المفهومة وغير المقبولة في العراق ،  وممارسة هذه الانظمة للقوة المفرطة في فرض هذه الطروحات ، بدل لجوئها الى الحوار معهم ونشر الوعي الوطني الحقيقي بينهم ، دفعوا اثمانا باهظة وعرضوا وجودهم للخطر ..
 وعندما سقط الفكر العروبي الشمولي بسقوط نظام البعث عام 2003 ،  ظهر فكر جديد قائم على مباديءالديمقراطية وحقوق الانسان واحترام خصوصية المكونات العراقية واعطاء الحريات الكاملة لها بما يتوافق مع مباديء دستور البلاد التي سمحت لكل مكون بانشاء اقليمه الخاص بعيدا عن تحكمات الحكومة المركزية ، ولكن يبدو ان الرياح تجري بما لا تشتهي سفن العراقيين ، ولم يطبق الدستور وظلت مبادؤه الجميلة حبيسة في طياته ولم تخرج الى حيز التطبيق لحد الان ، وبالمقابل بدأت الشعارات السابقة عن”العراق الواحد الموحد”و”الحكومة المركزية القوية”و”الوحدةالوطنية”التي كانت وراء تدمير العراق ، بالظهور ، وظهر زعماء يرفضون خصوصية المكونات ويدعون الى حكم مركزي قوي ويرفضون الفدرالية ويعبرونها تقسيما للعراق  وعلى وجه الخصوص”نوري المالكي”الذي سار على نفس خطى صدام حسين وحاول منذ اول يوم من حكمه استعادة نظام الحزب الواحد”القائد”والادارة الواحدة والجيش الواحد والسلطة المركزية القوية وقاوم فكرة انشاء الاقاليم التي دعا اليها المكون السني واعتبرها انفصالا عن الدولة وخيانة للوطن ، وراح يشق الصف الوطني ويبعد الشركاء السياسيين الاساسيين عن العملية السياسية في البلد ، ويقف بالمرصاد للمعارضين لسياساته  ، يعادي المكون السني ويواجه مطالبه المشروعة بالمدافع والصواريخ ويغزو مدنه ، ويؤزم علاقاته مع الاكراد ويتصدى لمطالبهم الدستورية بنفس حجج سلفه السابق واعذاره الواهية في الحفاظ على العراق من التقسيم ..سيبقى العراق مسرحا للازمات والقلاقل في المنطقة ولن تهدأ له حال ولن يقر له قرار مادامت العدالة بين مكوناته الاساسية مفقودة ، والتوازن بينها غير موجود ، وفكرة ان العراق للكل يجب ان تطبق عمليا من دون استئثار احد المكونات بالحكم وفرض هيمنته على المكونات الاخرى ، ويجب الا ينظر الى العراق كمجتمع واحد بل مجتمعات(المجتمع السني والمجتمع الشيعي والمجتمعى الكردي) ولا كشعب واحد ، بل شعوب ، ولكل مجتمع او شعب خصوصيته التي يجب ان تحافظ الحكومة عليها وتحترمها ولا تنتهكها تحت اي ذريعة ، وهذا مدخل اساسي لعراق متعافى خال من الصراعات والتناحرات والازمات التي لاتنتهي ..

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.