شوقي لأفراح لاتأتي

هادي جلو مرعي
في الصيف ، وفي أوله تحديدا أخاف من لحظة أشعر إني أشيّع فيها الورود والأزاهير والنسائم الربيعية والغيوم ولحظات السعادة التي تنغمس روحي فيها عادة دون مبالاة، أخاف مثل رجل هددته حبيبته إن لم ينجح في وعده لها بنثر الورود بطريقة متسقة على جانبي الممر المغطى بالأشجار الذي تسلكه بين حين وآخر حين تخرج لتتمشى وتنتعش برائحة الكاردينيا. في الصيف وفي أوله يكون الوداع لآخر الغيمات البيض المتجهات شرقا دون أن تلتفت واحدة منها نحوي لتسليني، أو لتقول كلمة واحدة، وأعلم إنها لاتجيد الكلام بل تفتعل الإغراء والغرور معا، وتشتهي السفر حتى لو تركتني موحشا كما في قول الشاعر.

ياغادة الكرخ هذا المدنف الباكي

تركته موحشا في ليل جفواك

يشكو لك على بعد المزار به

قلبا ولبا ونفسا ليس تسلاك

رقي لحال فتى مازال ناظره

يرى العلا والمعالي حيث مغناك

الشاعر هذا يحاكي قصيدة للشاعر الشريف الرضي ( ياظبية البان) وفيها من معاني الشوق والوله والتوسل ما يهد الجبال، غير إنها لاتهد، وبدلا منها تهد القلوب، وتسيل الدموع من عيون تعودت البكاء الشفيف حزنا على حبيب راحل لايعود، ولن يعود كأنه تعّود السفر مثل تلكم الغيمات، وهكذا هي أفراحنا التي لاتأتي أبدا، بينما نتشبث بها، ونريدها أن تزورنا، ونسمع لمن يقول، إن الفرح ماض والحزن مقيم. فالفرح لايترك أثرا حين يمضي، بينما الحزن يرتع في الروح ويترك شتى الآثار فيها، والفرح يصنع الحزن لأنه حين ينهي زيارته يترك غصة في النفوس.

في بلدي الحزين تسكت الكلمات متشحة بالخجل فهي لاتشفي الغليل، بينما يسلك الحزن دروبا جربها ويعرفها جيدا،يأتي الحزن معبأ بالديناميت فيمزق الاجساد وينهبها بعصفه الهائل، ويترك الأحشاء تتقطع كمدا حين يصعقها بفقد الأحبة من الصبية والنساء والرجال، فليس من أمل بعودة من تمزقت اعضاؤه وتناثرت. يأتي الحزن بسيارة مفخخة بسرعة هائلة ويقتحم سوقا، أو مدرسة، أو تجمعا للفرح ويقتل الحياة ويضحك موزعا الشماتة على الناس المشدوهين بفجيعة يسببها مشهد الموت، أو حين يتقدم مع مجموعة من القتلة لينشروا الخوف والرعب في الأحياء والدروب دون أن يعبأوا بأحد، أو يهتموا لردات فعل مبعثرة هي الأخرى ولاتملك قرارها، ولاتهتدي الى حل لمأساتها الموغلة في الوجع والراغبة فيه حد الثمالة.

أشتاق بلهفة للحظة الفرح، كاني انتظرها مثل تائه في صحراء يجد نبعا فيغترف منه ولايكتفي ويبقى أثر العطش يحرق شفتيه،ويريد المزيد، ويرغب في أن يملأ قربته من الماء ويحمله معه في الصحراء ليرشف منه بين حين وآخر ليتذكر إنه مايزال معه ولم يفارقه، أحمل شوقي معي أين حللت، أو رحلت، لاأترك الفرص تمر دون أن أعانقه وأبذل الجهد لأتنعم بحضوره. لاأمل ولاأكل من الرغبة بالفرح والبحث عنه. أنا في شوق دائم له

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.