المضامين الفكرية للأساطير و الحكايات الشعبية

معتصم ساليي

تمتلك الأساطير والحكايات الخرافية تأريخاً عريقاً. وعلى وجه الخصوص لم يكن المستوى العلمي في الأزمان القديمة بذلك القدر من التطور والرقي كما هو الحال في عصرنا الراهن، لذا اضطرت المجتمعات القديمة إلى اللجوء نحو الأساطير والخرافات لتأويل أسرار الكون وتفسير الحوادث الطبيعية والكوارث التي كانت تحيق بهم. وكل ماسطرته مخيلة الأقدمين من مظاهر وقوالب خرافية لاتزال تحتفظ بديمومتها و تلقى أقبالاً واسعاً من لدن المجتمعات المعاصرة. كل ما أفرزته مخيلتهم البدائية تكتسي أهمية قصوى لأنها تعبر بصدق عن روح و ملامح المراحل التأريخية و التكوين الذهني والفكري للأولين.
تفننت المجتمعات البدائية في تدبيج أفكار ورؤى في الخلق و نشأة الكون. ومن جانب أخر برعت بعض الشعوب في تدوين الأساطير حول ملابسات تأريخهم وكيفية ظهورهم على مسرح الأحداث. وتمكنوا من أضفاء طابع التهويل و التقديس على سير شخصياتهم التأريخية. ولما كانت نظرة الإنسان إلى الطبيعة تعاطفية، أصبح السحر الأداة الأكثر فاعلية للسيطرة عليها وأخضاعها لمصلحتها.

فيرى فريزر، بان الجنس البشري قد مر بثلاثة مراحل تطويرية هي 1- مرحلة السحر. 2- مرحلة الدين. 3- مرحلة العلم. والأسطورة ترتبط بمرحلة السحر.
وهناك أراء و نظريات متنوعة لتحليل مفهوم الأسطورة وماهيتها. نظرية فرويد بهذا الصدد تفيد بأن الاسطورة و الحلم يعبران عن مكنونات العناصر المكبوتة في لاشعور الفرد. التلميذ المتمرد على أستاذه فرويد ونقصد به (يونغ) يوافق من حيث المبدأ على أن الأسطورة نتاج اللاشعور، ويخالف أستاذه في التفاصيل عندما يدعى بان الأسطورة ناتجة عن اللاشعور الجمعي للبشر. ويقول مالينوفسكي أن الأسطورة لم تظهر استجابة لدافع المعرفة و البحث. ولا علاقة لها بالطقس أو البواعث النفسية الكامنة بل هي تنتمي للعالم الواقعي و تهدف إلى تحقيق نهاية عملية، فهي تروى لترسيخ عادات قبلية معينة أو لتدعيم سيطرة عشيرة ما أو أسرة أو نظام اجتماعي وما إلى ذلك فهي و الحالة هذه عملية في منشئها وغايتها.
الأساطير و الحكايات الخرافية لم تكن قطع سردية بحتة لأحداث ومجريات بعض الأمور الخارقة والتي لا تتقبلها العقل العلمي المعاصر، بل فرضت هيمنتها وسطوتها على عقول ومخيلة الأقدمين. وجرت العادة المتبعة بأن كل من يجد في نفسه الجرأة الكافية لدحضها، يعتبر ذلك الفرد ضمن رهط الضالين والخارجين عن القدرة الإلهية. على سبيل المثال أبتكر اليونانيون القدماء لكل ظاهرة طبيعية واجتماعية آلهة راعية وثابتة المعالم لها، لتتمكن من تسيير الأمور الموكلة إليها بقدراتها الخارقة. القضاء اليوناني أجبر الفيلسوف سقراط على تجرع السم لإنهاء حياته بنفسه، لأن ذلك الفيلسوف المسن شكك في حقيقة وجود آلهة اليونان و قدراتهم الخارقة، مما دفع حسب زعمهم بالشباب اليوناني نحو الانحراف و الخروج عن جادة الصواب.
في الحصيلة النهائية نستطيع القول بأن الأسطورة ترمي إلى تفسير الأمور المبهمة، و النزوع نحو الخيال أثناء تناولها لمجموعة من القضايا البعيدة عن الفهم. و أخيراً تراجعت الأسطورة و تهاوت تحت وطأة تطور الفهم العلمي و الفلسفي. لكن على الرغم من كل تلك الانتكاسات، بقي الفكر الخرافي والنسق الأسطوري القديم محل اهتمام الإنسان المعاصر.

استخدمت الأسطورة قديماً كأداة للمعرفة ووسيلة لكشف أسرار الطبيعة. والهدف الآخر من ورائها هو أرضاء الآلهة و التقرب نحوها. لذا نجد بأن الأبطال و الشخصيات الأسطورية أما آلهة حقيقيين أو أنصاف آلهة أو شخصيات تأريخية من ذوي الطاقات و القدرات الخارقة. ولكل شعب من شعوب العالم أساطيرها وممارساتها الروحية التي تتسم بالخرافة والمظاهر السحرية. وهناك على سبيل المثال: الأسطورة اليونانية والرومانية والهندية والعربية  والأفريقية…. الخ و لايمكن بأي حال من الأحوال فصل الأسطورة عن تأريخ أي شعب من شعوب العالم. ظهر إلى الوجود فرع جديد من فروع المعرفة، يهتم بدراسة وتفسير الأساطير ويدعى بالميثولوجيا (Mytho – Logy) الشق الأول من الكلمة (Mythe) مأخوذه من الكلمة اليونانية (Mytho) التي تعني حكاية تقليدية عن الآلهة والأبطال. أما الشق الثاني (Logy) فيعني (علم).
لابد من الإشارة بأن أحدى المهام الأساسية للأسطورة هي توظيف الرموز لتساعد الإنسان ولتحديد مفهومه بالنسبة للطبيعة و الكون و تعاقب الليل و النهار و فصول السنة فالإله (ست) في الأسطورة المصرية القديمة و هو الإله الشرير يأبى الحياة لأوزوريس اله الخير و رمز النيل. فيتعقبه و يقضي عليه مراراً. ولكنه يعود للحياة عندما تعثر عليه زوجته (ايزيس). وهو رمز الأرض العطشى التي تصرخ بالنيل ليرويها. وتندب بحرارة على جثه زوجها حتى تعود الحياة إليه. والأسطورة السومرية المعروفة كلكاميش، تظهر لنا الصراع المرير و المتواصل للإنسان عبثاً نحو الخلود و الحياة الأبدية لكن هيهات لأن الإنسان محكوم عليه بالموت و مصيره الفناء. وتطلق أحياناً على الحوادث المثيرة لسيرة حياة كلكاميش بكلمة الملحمة أيضاً وهنا علينا بالإشارة إلى ملحمتي الإلياذة و الاوذية اليونانيتين الشهيرتين و ينسب تدوينهما إلى الكاتب اليوناني الضرير (هوميروس). الذي عاش على أغلب الظن في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. وكلمة (ملحمة) تقابل كلمة (epic) المتداولة في الأدبيات العالمية. وفي الأساس كلمة (ملحمة) تعني في اللغة العبرية الحرب أو الالتحام بالأيدي. وقد أطلقت في الاستخدام العربي لتسمية ذلك الجنس الأدبي (فن الملحمة) وكلمة (منحة) أيضا في العبرية تعني العطية أو الهبة أو القربان.
وهناك الحكاية (Tale) بجميع أصنافها وتفرعاتها. وهي شائعة التداول بين الأمم. ولكل شعب من شعوب العالم حكاياته الشعبية المتداولة على الألسن و تتناقلها الأجيال. في اغلب الحالات تعالج الحكاية الشعبية المشاكل الاجتماعية و الأسرية كأنواع الظلم التي يعانيها اليتيم على يد زوجة الأب.  أو معاناة الإنسان الفقير المعدم المحروم من مباهج الحياة. ناهيك عن أنواع أخرى من الاستغلال السياسي و الطبقي والأسري. ولايغيب على بال الحكاية الشعبية مظالم الحكام الجائرين و المتسلطين على رقاب الرعية. والصنف الأخر من الحكايات يطلق عليها (Fairy Tale) أي حكايات الجان و المردة و الغيلان. ويمتزج فيها السحر والخيال أمتزاجاً كلياً. وتلعب الخرافة دوراً أساسياً في هذا النسق الأدبي الشفاهي. وكلمة خرافة (Fabula) لاتينية الأصل. ويرى الباحث السويدي (س.ف. فون سيدوف) أن الحكاية الخرافية و بالأخص حكايات السحر، تعد ميراثاً من العصر الهند و جرماني، وقد عاشت الحكاية الخرافية ذات الطابع الإقليمي في بعض البلدان. ويرى (فل أريك بويكارت) أن الحكايات الخرافية نشأت في أحضان الحياة الزراعية الأولى في بلدان الحضارات القديمة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

الحكايات التي تدور حول الكائنات الحيوانية وأنواع الطيور، فأنها شائعة أيضاً منذ القدم. فقصص (كليلة ودمنة) تلقى رواجاً واسعاً في جميع أنحاء العالم شأن حكايات (ألف ليلة و ليلة). أحداث حكايات كليلة ودمنة تدور في الغابات و على ألسنة الحيوانات. الكتاب مؤلف من قبل الحكيم الهند (بيدبا) و المترجم من الفارسية إلى العربية من قبل (أبن المقفع). الكتاب القدماء لم يكونوا يجرؤن الإفصاح عن مكنونات قلبهم و التحدث عن ظلم الملوك و الحكام و تعسفهم بشكل صريح، لذا كانوا يلجؤن إلى التلميح و استعمال الرموز. فربما الأسد الهصور في الغابة أشارة مبطنة إلى ملك أو حاكم جائر. و الثعلب الماكر ربما كان يرمز به إلى الوزراء المتملقين المخادعين في بلاط الملوك والأمراء.
ولدت في مدينة نينوى الأشورية القديمة حكايات شعبية تنسب إلى احيقار الحكيم. عاش هذا المؤلف في عهد الملكين الأشوريين سنحاريب (704 – 681 ق.م) و الملك أسرحدون(680 – 669 ق.م) فإلى هذه الفترة تعود حكمه أساساً. قام بتدوين تلك الحكايات على الأرجح أحد تلاميذه. بلغة أرامية قديمة وهي أرامية بابل و فارس. كما كانت مستعملة في الفترة التي استمرت من القرن السابع حتى الخامس قبل الميلاد، ففي التأريخ السومري حكيمات شهيران أولهما المعروف أتونابشتم أو النوح السومري و الثاني أيوب السومري.

أقدم الخرافات الباقية إلى الآن يمكن أن ترد إلى الهند أو اليونان أو الساميين بصفة عامة. وأقدم مجموعة وصلت ألينا هي المعروفة بعنوان (خرافات أيسوب) و يقال بأن أيسوب كان عبداً يونانياً. وأنتشرت الخرافات في القرون الوسطى بأوروبا حتى أصبحت ترد في العظات الكنسية و كتب الأطفال و في كتب الحكم و الأمثال. و أعاد روايتها أو صياغتها أدباء مشهورون أمثال تشوسر وهنريسون ودرايدن. كما أشتهر (لافونتين) بترديدها شعراً. وألف (لسنج) مجموعة رائعة من الخرفات.
تروي الحكايات الشعبية وسائل منوعة لاكتساب المعرفة بلغة الحيوانات أو الطيور. ولعل أشهر هذه الوسائل هو الثعبان أو التنين. وفي إحدى الحكايات اليونانية يقال بأن ميلامبوس عرف لغة الطير لآن الحيات كانت تلعق أذنيه و في حكايات أخرى أستطاع البطل سيكفريد أن يفهم لغة الطيور عندما تذوق دم التنين. و على نفس المنوال و بذات الطريقة هناك حكايات شعبية كردية تتناول المواضيع المتعلقة بلغة الطيور. أحدى الحكايات الكردية تروي لنا معرفة النبي (سليمان) بلغة الطير. و جميع الطيور في زمنه كانوا تحت أمرته، أثناء خروج الملكة بلقيس من البيت كان لزاماً عليهم جميعاً من تشكيل حاجز في السماء فوق رأسها بأجسادهم كي تكون الملكة بمأمن عن أشعة الشمس الحارقة. و تقول الحكاية بأن جميع الطيور أمتثلوا لأوامر النبي (سليمان) عدا طائر العصفور الصغير الجرم والذي يسمى الفنجس قد أبى وأستكبر. يكون رد فعل النبي (سليمان) بحق ذلك الطائر الضئيل الجسم عنيفاً. وفي سورة من الغضب يدعوا عليه ويناشد ربه أن يحرم على ذلك الطير نعمة شرب المياه في فصل الخريف. هناك رأي شائع في الأدبيات والحكايات الكردية تفيد بأن المياه في فصل الخريف يتسم طعمها بالعذوبة. ومنذ زمن النبي (سليمان) وليومنا هذا حسب نسق الحكاية لايكون بمقدور ذلك العصفور الضئيل الجسم من شرب مياه فصل الخريف العذبة… لمعظم شعوب العالم أساطيره و حكاياته الشعبية، والتي تتناقلها الأجيال شفاهياً. فمن المفيد تدوين تلك الحكايات و تسجيلها منعاً لضياعها.

بدوري قمت بتدوين مجموعة من الحكايات الكردية الشائعة و المتداولة في مدينة كركوك و أطرافها، و بلغت أعدادها سبعين حكاية شعبية. قامت مؤسسة التراث الكردي في مدينة السليمانية مشكورة بطبعها باللغة الكردية سنة (2010) بعنوان (سيوى زيرين – التفاحة الذهبية)..

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.