دموع ناهدة الرماح !!

فالح حسون الدراجي

 

لم تبك ناهدة الرماح في عهد صدام الجائر، ولم تنزل رأسها طوال سنيِّ الإظطهاد والقمع الذي تعرضت لهما في (جمهورية الخوف) الصدامية، فظلت أبية شامخة، حتى وهي تعاني شظف العيش في دول المهجر القاسي، فكانت تعمل في أسوء المهن من أجل أن تعيش في غربتها كريمة، محترمة.

وكي لا يشمت بها عملاء النظام الدكتاتوري الصدامي في لندن، حيث كانت تقيم. لذلك حافظت المناضلة الكبيرة ناهدة الرماح على إسمها وموقعها ومكانتها، ومبادئها الوطنية التقدمية السامية، مثلما حافظت على تأريخها الفني الجميل فظلت عصية على الدمع، واليأس، والإنكسار..

كيف تنكسر ناهدة، وهي التي تربت في بيت شريف، ونمت في بيئة طاهرة، وأرتوت جذورها بماء الفراتين، وتتلمذت في صفوف مدرسة النضال الوطني على يد أمهر الأساتذة الذين تخرجوا من (نگرة) السلمان، أو من سجون النضال الأخرى.. لم تبك ناهدة الرماح، ولم تذرف دمعة واحدة في زمن القمع، رغم كل ما فعله معها الأوباش من ظلم وجور.. لكننا أبكيناها في زمن الحرية، وأوجعنا قلبها في عهد دولتنا الديمقراطية الجديدة، تلك الدولة الأمل، والحلم الذي إنتظرته ناهدة الرماح أربعين عاماً في سفرها الموجع !! ويوم رحل صدام، وأبتهج العراقيون، كانت ناهدة الرماح أكثر الناس فرحاً وسعادة برحيل الطاغية.. فها هو حلمها يتحقق إذن، وها هي آمالها البعيدة تدنو مضيئة لها طريقها بعد أن فقدت هذا الضوء لعقود ، ليس في عينيها فحسب، إنما في حياتها اليومية أيضاً.

ولأنها سأمت الغربة والوجع والحياة الباردة، فقد قررت العودة الى وطنها مثل عصفور يعود الى عشه، لكن الرماح فوجئت بما رأته من رفض، ولا مبالاة، وصدود، وإهمال متعمد، بل ومن ظلم أيضاً.. لقد رأت مثلاً في جهاز الدولة الجديدة الكثير من (فلول) صدام وهم يسيطرون على عروش المؤسسات الحكومية، ورأت الكثير من القوانين الصدامية الظالمة على حالها دون تغيير،  وعانت ما عانته من روتين، وجفاء، وفظاظة من قبل المسؤولين في الدولة العراقية الجديدة..فمثلاً كان بيتها الكبير في حي القادسية ببغداد، والذي يقدر سعره اليوم بمليوني دولار، هو  أول ضحايا النظام الديمقراطي الجديد، بعد أن صادره نظام صدام ضمن بقية أموالها المنقولة وغير المنقولة مع كوكبة من المناضلين الوطنيين الذين هربوا من بطش النظام الصدامي قبل سنين طويلة – تحتفظ ناهدة الرماح  بكتاب هذه المصادرة – !!
 كما إنها – وهي البصيرة – تعبت من المراجعة حول معاملتها في الفصل السياسي، مثلما داخت من كثر ما دقت على باب هذا المسؤول أو ذاك من أجل إعادة بيتها لها، وهو حق وطني، وشرعي، وقانوني لها.. فبيتها الذي صادره النظام الدكتاتوري، قد شرب عليه النظام الديمقراطي الجديد سبع طاسات ماء بارد كما يقولون..
ويوم أمس الأول زارتنا ناهدة الرماح في الجريدة، فشرفتنا بزيارتها، وأفرحتنا كثيراً، بحيث هرع اليها العاملون جميعاً يقبلون يدها الطاهرة التي لم تمتد لطاغية، ولم تذل أمام سلطان رغم ظروفها المعيشية الصعبة.. لكن المفجع والموجع أن ناهدة الرماح بكت، بل وصرخت أمامنا، بعد أن خنقها الدمع، وأوجعها الإهمال القاسي ..
كلمة أخيرة أتقدم بها الى دولة رئيس الوزراء نوري المالكي، وأقول له: أخاطبك اليوم يا أبا إسراء بلغة النضال، والجهاد الوطني، وليس بلغة الدولة والمسؤولية الحكومية. فأستصرخ فيك تأريخك الجهادي الطويل، وأقول لك من خلاله : هذه ناهدة الرماح رفيقتك في المعركة الشريفة ضد صدام لسنوات طويلة، وزميلتك في صفوف المعارضة، والمرأة العراقية الشريفة التي بيضَّت وجهك، ووجوهنا جميعاً بشرفها، وعفتها، وبياض ثوبها.. ورفعت رأسك، ورؤوسنا جميعاً بصبرها، وعنادها على معارضة الظالم الطاغية.. ناهدة الرماح جاءت الى بغداد في هذه الظروف الملتهبة تاركة لندن عاصمة الضباب، لا لتطلب مكافأة على نضال، ولا جائزة على صبر طويل، إنما جاءت اليك لتطلب حقها لا غير ..

فهي فضلاً عن كونها أمرأة بصيرة، وطاعنة في العمر، وفقيرة الحال.. فهي مظلومة .. والأبشع أن مالها القليل قد نفذ في العراق، وهي الآن في ظروف صعبة جداً.. فهل يعقل أن تظلم هذه المرأة في عهد صدام، وتظلم في عهد المالكي أيضاً .. فعُّد لها بيتها، وإلاَّ فإن للتأريخ لعنة ستصيبك دون أن تستطيع إزالتها حتى لو زالت الدنيا كلها.. ولعَمري، فإنك يا أبا اسراء رجل (خيِّر) لا تستحق مثل هذه اللعنة!!

abofikrat@yahoo.com
 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.